Yahoo!

الشعر النبطي

كتبها amar alsanjari ، في 10 أغسطس 2006 الساعة: 08:35 ص

الشعر النبطي

وأهميته السياسية

في تاريخ الجزيرة العربية

 

 

 

 

 

 

عمار السنجري

 

لاشك أن الأدب الفصيح بما لَهُ من مميزات وخصائص في لغته وأسلوبه، يرتفع نسبياً عن مدارك الطبقة الشعبية العامة- وهي إلى عهد قريب كانت هي الغالبة على مجموع سكان الجزيرة العربية والخليج، بل وبقيت هي الغالبة على مجموع سكان معظم الأقطار العربية، ولكن سنقتصر في حديثنا هنا عن الشعر الشعبي في جزيرة العرب- وليس بمقدور الأدب الفصيح مهما حاول أصحابه الدنو والليونة أن يكسب الشعب طابع الفهم والإحاطة، ومن ثم التنوير، والتأثير… بخلاف الأدب الشعبي – وتحديداً الشعر الشعبي كفنٍ من أكبر فنونه انتشاراً وتأثيراً- فإن له النفوذ الطبيعي على كافة الطبقات(1) حكاماً وشعوباً، فالأغلبية إن لم تكن تقرضه فإنها بلا شك تحبه وتشجعه أو على الأقل تستمع إليه فتطرب، وتقرأه فتفهم مراميه وتتمثل صوره.

كان مجتمع الجزيرة العربية إلى عهد قريب، مجتمعاً أقرب إلى البداوة منه إلى الحضارة وكانت النسبة الأكبر من سكان المنطقة يعيشون حياة البداوة التي يقوم نظامها الإنتاجي والاقتصادي على الرعي ويعيشون حياتهم متنقلين من مَرعى إلى مرعى ومن مورد إلى مورد ومن قطين إلى قطين. حياة لا تسمح بقيام مؤسسات تعليمية لأن ذلك بتطلب حياة مدنية مستقرة. لذا نجد ثقافة هؤلاء البدو الأميين ثقافة شفهية شعرية تستغني عن الكتابة بالنظم، الذي يسهل عملية الحفظ والتداول. لكن صلتهم بالحاضرة جعلتهم على علم، وإن لم يكن معرفة تامة، بما لدى الحضر من أسباب حضارية لا تتوفر في البادية مثل الكتابة.

بل أن بعض مشائخ البادية كان لديه كاتب تشمل مهامه إمامة الشيخ وجماعته في الصلاة وقراءة بعض كتب التراث في مجلس الشيخ، إضافة إلى قراءة ما يرد إلى الشيخ من رسائل أو وثائق وتحرير الردود عليها. وربما شملت مهام الكاتب كتابة ما يقوله الشيخ من قصائد وما يقوله فيه الآخرون من مدائح. كان البدو بالطبع على وعي بشيء اسمه الكتابة (التدوين) و ربما لجأ البعض منهم إليها في بعض الحالات النادرة والضرورية. لكن البدو أنفسهم لا يقرأون ولا يستخدمون الكتابة في شؤونهم اليومية.(2)

لذلك كان للأدب الشعبي، وتحديداً الشعر الشعبي، نفوذاً طبيعياً على كافة الطبقات، وكان السمة المعروفة لدى كافة الأوساط.(3)

والشعر الشعبي في الجزيرة العربية والخليج قديماً وحديثاً نجده خصباً، عميق الجذور، ومع ما له من مغالبة ونفوذ إلا أننا نجده يكتنفه الغموض والإبهام، وقد أوضح أسباب هذا الغموض عبد الله بن محمد بن خميس في كتابه "الأدب الشعبي في جزيرة العرب"، حيث يُرجعه إلى أنه عانى الكثير من التَّرك والنسيان على كثير من آثاره، وأخباره، وظل مطموراً، فالأسباب والدواعي متوفرة لإهمال ما هو في نظر الكثير من أهم وألزم، فكيف بمن لا يعبأ به، أو يرى الاشتغال به به ضرباً من العبث، يُحسن برجُل العلم الترفع عنه. لذا كان الأدب الشعبي في جزيرة العرب نسياً منسياً، وقد كانت دواوينه صدور الرواة، ودراسته في مجالس العامة، وعلى ظهور الإبل. والآن قد انقرض الرواة أو كادوا، وانصرف العامة في مجالسهم إلى شؤون، وشجون أخرى، وأصبح ركوب الإبل- للتنقل- نادراً، وظل هذا الأثر في تقلص واضمحلال.(1)

وعُذر الأدباء القدامى الذين تجاوزوه وتجاوزوا الاهتمام به من حيث كونِه فنّاً أدبياً، أنهم كانوا حتى في نظرتهم للأدب العربي الفصيح لا يرونه ولا ينقلونه للدراسة، والتحليل، والنقد، والوقوف من خلاله على البيئات، وعادات أهلها، ووصف أحوالهم، وتصوير مشاعرهم، كما هو شأن الدراسات الأدبية الحديثة، وإنما يسردونه سرداً، ويجمعون شتاته كنص فقط، للمحافظة عليه، وصيانته. وعُذر أدباء العروبة والمعاصرين، في عدم تعرّضهم لهذه الدراسات في الجزيرة العربية، لا نراه في الحقيقة إلاّ غرابة الأدب الشعبي عليهم- للهجته وخصوصيته- وعدم فهمهم لحقائقه، ودَقائقه في بيئته، والدراسة والنقد والتحليل لا تكون إلا عن فهم، وإحاطة وتذوق، وهو شيء مفقود بالنسبة إليهم… ولا غضاضة إن جهلوه، فاللغة الشعبية / بلهجاتها/ وفهم البيئات وخصوصياتها، والتقاليد والعادات في كل شعب، بل في كل قبيلة من القبائل، وقف على أهلها، إلاّ من جَرّدَ نفسه وتخصص في ذلك، وهو أمر من الصعوبة بمكان.(2)

ويشير بن خميس إلى جهود العناية بهذا المجال ويقول بأن: كل ما قامَ به أُدباؤنا في هذا المجال، هو نَتف، وخطرات، تُنشر في الصحف، وسُرعان ما تذهب نسياً منسياً. ويؤكد على أنه لا بُد من " شعور بالمسؤولية" تجاه الأدب الشعبي. ويستشهد بقوله للدكتور طه حسين، حيث يصف هذا الأدب بأنه "مرآة صافية لحياة الأعراب، في باديتهم، وهو في موضوعاته، ومعانيه، وأساليبه، مُشبه كل الشبه للأدب العربي القديم، الذي كان ينشأ في العصر الجاهلي، وفي القرون الأولى للتاريخ الإسلامي، ذلك لأن حياة العَرب في البادية لم تتغير بحال من الأحوال، فحياة القبيلة الاجتماعية، والسياسية، والمادية الآن كما كانت منذ ثلاثة عشر قرناً، فطبيعي أن يكون الشعر المصّور لهذه الحياة، كالشعر الذي يصوّر الحياة القديمة، وإن كان موضوعه ما يقع بين القبائل من حروب، ومخاصمات تدعو إلى الفخر، والمدح، والهجاء، والرثاء، وما يثور في نفس الأفراد من أنواع الآلام، واللذات التي تدعو الى الغناء بالشكوى حيناً، والحب حيناً آخر، والعتاب مرة ثالثة. وهذا الأدب العربي الشعبي يرويه في البادية جماعة من الرواة يتوارَثونه عن آبائهم، ويورثونه لأبنائهم، ويكسبون بروايته حياتهم المادية، ومكانتهم الممتازة أحياناً.(1)

وعن الدور المهم الذي لعبه الشعر النبطي في الجزيرة العربية، وما وصل إليه من مكانة حيث يقول: فقد حفل به الملوك، والأمراء، والقادة، ويستمع إليه علِيَة القوم، وصفوة المجتمع، وإما أن يلهب إحساس الأمة، ويُذكي فيها نار الانفعال، والتذمر، وأما أن يتخذه العاشق الولهان أداة للتعبير عن شجونه، و وسيلة لنشر مكنونه، أو على الأصح كما يَرى بن خميس له دور كما كان للشعر العربي الفصيح في استعمالاته. وفي أغراضه، و اتجاهاته، ومناحيه. فلقد أثاب الملوك عليه وأكثروا، وأمعنوا في العقاب عليه، وأهدروا، ولطالما أصاخت المحافل للشاعر – النبطي- يتربع عن يمين الملك أو الأمير، أو يحتل الصدارة في المنتدى الكبير، ويبدو في غطرسته وكبريائه كما يبدو أبو الطيب أو البحتري وكأن لسان حاله يقول:

 

أجَزِني إذا أنشدت شــعراً فإنما

بشعري أتاك المادحـــون مردداً

و دع كل شعر غير شعري فإنني

أنا الصائح المحكي والأخر الصدى

                         

ويشبّه بن خميس الشاعر النبطي الشهير محمد بن عبد الله العوني وما بلغه من مكانة من خلال شعره حتى عُدّ من أشهر شاعر شعبي في الحماسة بما كان للمتنبي من مكانة فكان كما يصفه أكبرهم شخصية لدى الملوك، والأمراء والرؤساء، والذي لعب دوراً لا يُستهان به حسب تعبيره، في الجزيرة العربية أبان اضطرابها وتأرجحها، وأهّله شعره لمكانة اجتماعية لا تُداني، رغم خمول نشأته حسب بن خميس، من إحدى قرى القصيم الصغيرة، وهي قرية (الربيعية) وقد رُزِق مع هذه الشاعرية الاستفزازية المتدفقة شخصية قوية نابهة، ورأياً صائباً حكيماً، لولا ما دخله من غرور يذكرنا بما آلت إليه حالة المتنبي، (أدركه داء أبي الطيب ومن على شاكلته) جعله يصادق هذا تارة ويتنكر له أخرى، ويمدحه تارة ويؤلب عليه أخرى… حتى ليحكى عن العوني الذي نعته بن خميس بـ (شاعر الحماسة ومُشعل الحروب) أنه كان إذا طُلب منه أن ينشد أو يقص فلا بد أن ينصت كل من في المجلس، كثروا، أو قَلّوا، وإذا ندت من أحدهم كلمة، أو همسة، ترك القص، أو الإنشاد وربما غادر المجلس. وربما قصيدة واحدة من قصائده في الحماسة جعلته إلى اليوم من أشهر من نار على علم وهي المعروفة بـ (الخلوج) التي يستهلها بذكر ناقة فقدت ولدها بين قطعان الماشية، فجعلت تُرجع الحنين، وتكسر العبرات وقصة القصيدة معروفة وسنأتي على ذكرها يقول فيها:

 

خلوج تجذ القلب بتل عوالـها

تكـسر بعبــرات تحـطم سلالها

تهيض مفجوع الضمير بحسها

لي لوحت صــوت تزايد هجالها

                  

وبلغ العوني مبلغاً من الثقة بالنفس أنه كان يقول "ليست العِبرة بالذي يدير الجيوش، ويقودها، ويحارب في الميادين، بل العِبرة بالرجل الجالس أمام موقد قهوته، ويستطيع وهو في جلسته هذه أن يشعلها حَرباً ضروساً بين من يشاء من القبائل!".

وقد انتهت حياة هذا الشاعر الفذ نهاية قريبة من نهاية أبي الطيب المتنبي فذهب ضحية موهبته الكبيرة.

وقد كانت نهاية هذا الشاعر الفحل أن يجره شعره، وما أكسبه شعره هذا من شهرة جعلته في صفوف الرجال الخطرين القمنين بأحداث الانقلابات والفتن كما يذكر بين خميس، وقد جره ذلك إلى غياهب السجون ثم شُيّعَ منها إلى مقره الأخير.(1)

وكان- برأينا لازال في نفوس محبيه – للشعر الشعبي أو النبطي مكانة منذ القدم جعلت الرحالة وليم جيفورد بالغريف William Gifford Palgrave يلاحظ هذه المكانة لهذا الشعر لدى البدو، مما جعله يتحدث عنه في يوميات رحلته (1862م) ويصف هذه المكانة التي بلغها بين سكان الأحساء، والمعروف أن منطقة الأحساء جمعت أشهر شعراء النبط، وهي منطقة تميزت بأنها بيئته المثالية فقد أنجبت باديتها شعراء الدولة الجبرية(2)، والتي وإن اكتنف الغموض تاريخها، إلا أن الشعر النبطي كان في عهدها إرثاً أدبياً مزدهراً، فقد عُثر على نماذج غزيرة من الشعر النبطي على شكل قصائد طويلة تامة النضج قوية السبك مستقيمة البناء، تامة التركيب، ومعظمها قيلت في مدح مشائخ الجبريين مثل أجود وقضيب ومقرن وغيرهم، وقد فصل أخبار شعرائها الدكتور سعد العبدالله الصويان في كتابه "الشعر النبطي ذائقة الشعب وسلطة النص"، حيث يذكر أن من أشهر شعرائها ابن زيد، والكليف صاحب قصيدة "الدافعة" المشهورة التي يمدح فيها مقرن بن قضيب الجبري:

 

زهت الديار بحسنها وجمالها

واستبشرت بالعز روس رجالها

 

وهو آخر شاعر من شعراء الدولة الجبرية يصلنا إنتاجه. شاعر تكتب بعض المخطوطات اسمه (الكليف) وبعضها تكتبه الجليف. واسمه أو لقبه (الكليف) ذكّرني في الحقيقة شاعر نبطي مشهور بين بدو منطقة العين وله قصائد مشاكاة مع سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "رحمه الله" هذا الشاعر واسمه أو لقبه بالأحرى (الكيف) وهو عامري من قبيلة العوامر في العين، وتوفي منذ زمن وهو خال الشاعر المرحوم أحمد بن دري الفلاحي الياسي وهو رحمه الله الذي حدّثني عنه وعن شاعريته، وبأن شعره لازال كافياً في صدور الرواة ولم يجمعه أحد إلى اليوم.

أما أبن زيد (1) فإن جميع قصائده كانت على البحر الهلالي مما يوحي ببداوة قائلها. وهو شاعر فحل يفد على الملوك ويجيد نعت الناقة، والوقوف على الأطلال، والبكاء على الآثار الدارسة، ويصف البرق وصفاً جميلاً وما يصحبه من سحب وأمطار. ومنها قوله:

 

يقول بان زيد قول من شدّ ضـامرٍ

جماليّةٍ من عيد هيّات نوقــها

زفوفٍ زهوفٍ عجلةٍ مســتمانةٍ

من الهجن وجنا طيبات خلوقها

على ربــع دارٍ دارسٍ غيّر البلى

وذكرى ليالٍ طيــباتٍ وقوفها

خلا الرّبع إلا من ثلاث كــوانف

لعرفانها عيـني سريعٍ وموقها

من الرخمات السمر لما ان عرفتها

وصحبي على قودٍ قليل رفوقها(2)

 

                          

ومن شعراء الدولة الجبرية أيضاً جعيثن اليزيدي، والذي يقول من قصيدة طويلة يمدح فيها مقرن بن زامل بن أجود:

رخا العيش ضمن في اقتحام الشدايد

ونيل المعالي في لقا كل كايد

 

                         

ولعل من أشهر شعراء الدولة الجبرية عامر السمين، وقد مدح السمين علي بن أجود الجبري بقصيدة جميلة فيها بعض الكلمات الفصيحة التي اندثرت اليوم في لغة العامة، وفيها يقول:

مُحال اني أصافي غير صافي

أو أسمح بالوداد لغير وافي

ولا أعطي زمام العقل عامة

ولا ألجي لجال رفاف جافي

و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فلسفة انسلب القبائل وتحالفاتها

كتبها amar alsanjari ، في 10 أغسطس 2006 الساعة: 08:19 ص

 

 

فلسفة أنساب القبائل العربية وتحالفاتها

 

عمار السنجري

 

للنسب عند العَرب قديماً – وبرأينا حتى اليوم- شأن كبير، ولا يزال العربي يقيم له وَزناً، ولا سيما عربي البادية. فعلى نسب المرء قديماً في البادية تقوم حقوق الإنسان، بل حياته في الغالب – فنسب الإنسان كانَ هو الذي يحميه، وهو الذي يحافظ على حقوقه ويردع الظالم عنه ويأخذ حق المظلوم منه.

وقد يبدو ذلك للمدَني الأعجمي (والأعاجم المقصود بهم كل مَنْ اختلَفَ لسانه عن العربية) أمراً شاذاً غير مألوف. ولكن هذا المدني نفسه يعمل النسب ويأخذ به، وإن كانَ في حدود ضيقة كالزواج والميراث وما إلى ذلك. فجنسيته هي نسبه، تحميه وتحفظ حقوقه. وليس نسب الأعرابي قديماً غير هذِه الجنسية- في مجتمع شفاهي لم يعرف عادة التدوين والمدونات والوَثائق وليسَ لديه دوائر يمكن أن تصدر مثل هذه الوثائق- يحتمي به، لأنه يصونه ويحفظ حقوقه ويُدافع عنه. وهو مضطر إلى حفظه، والى عَدّ آبائه وأجداده وذكر عشيرته وقبيلته، لأنه بذلك يسلم، ويحافظ على حياته. فإن أراد شخص الاعتداء عليه، عَرَف أن وراءه قوماً، يدافعون عنه ويأخذون بحقه من المعتدي عليه. وهو لذلك مضطر إلى حفظ نسبه والمحافظة عليه.

وأما كون الحضر أقل عناية بأنسابهم من أهل الوبر، فلأن الحاجة إلى النسب عندهم أقل من حاجة أهل الوبر إليها. فالأمن مستقر، ولدى الحضر في الغالب حكومات تأخذ بحق المعتدي عليهم من المعتدين. ثم أن مجال الاختلاط والامتزاج عندهم أكثر و أوسع من أهل البوادي وسكان الأرياف، وكلما كانت الحواضر قريبة من السواحل ومن بلاد الأعاجم (و الأعاجم كما أسلفنا هي كل الأمم والأقوام الأخرى)، وكان الاختلاط أوسع وأكثر، ولهذا ضعفت فيها وشائج الدم والنسب، حسب جواد علي نقلاً من هاستنغز Hastings، وكثر فيها التزاوج والتصاهر بين العرب، والعجم، فصعب على الناس فيها المحافظة على أنسابهم، وقلت الفائدة من النسب عندهم. ولهذا لم يعتنوا بِهِ عنايَة الأعراب بالأنساب. (1)

        فالانتماء قديماً الى عشيرة أو قبيلة أو حلف قبلي، هو حمايَة للمرء وهذه هي دوافع وفلسفة عقد التحالفات القبلية والى عهد قريب من تاريخ الجزيرة والخليج، عدا بالطبع الدوافع السياسية وتأثيرات التواجد الأجنبي وتدخلاته بين القبائل لمصلحته.

فهذا الانتماء في عرف اليوم هو نوع من الجنسية أو نوع من – المواطنة القبلية – إن صح التعبير قبل استقرار ونشوء الدول المركزية وظهور مؤسساتها.

        ولهذا فمن غير المستغرب إن صارَ إخلاص الأعرابي لقبيلته أمراً لازِماً له محتماً عليه، وعليه أن يدافع عن قبيلته دفاع الحضري عن وطنه. فالقبيلة هي قومية الأعرابي، وحياته منوطة بحياة تلك القبيلة. ولهذا كانت قومية أهل الوبر قومية ضيقة، لا تتعدى حدودها حدود القبيلة وحدود مصالحها وما يتفق أهل الحل والعقد فيها عليه. ومن هنا صارَت القبائل كُتَلاً سياسية، كل كتلة وحدة مستقلة، لا تربط بينهما إلا روابط المصلحة والفائِدَة والقوة والضعف والنسب. والعادة انتساب كل قبيلة إلى جد تنتمي إليه، وتدعي أنها من صلبه، وإن دماءه تجري في عروق القبيلة، وتتباهى به وتتفاخر، فهو بطلها و رمزها، وعلاقتها الفارقة التي تميزها عن القبائل الأخرى.

وليس ذلك بدعاً في العرَب، بل إنّا لنجد الأمم والشعوب الأخرى تَنتمي إلى أجداد وآباء. وكان للرومان والفرس وللهنود وللأوربيين أجداد انتموا إليهم واحتموا بهم وتعصبوا لهم ونسبوا أنفسهم إليهم على نحو ما نجده عند العَرب والإسرائيليين وبقية الساميين.

ويشير الدكتور جواد علي إلى أن التوراة ولاسيما (أسفار التكوين) منه، أبرز أمثلة على النسب، فنجد فيها أنساب الأنبياء والشعوب، وأنساب بني إسرائيل. يسبق النسب في العادة جملة: (وهذه مواليد) و (إله تولدت)، ثم يَرد بعدها النسب. أي أسماء مَن يراد ذكر نسبهم. قد يذكر نسب الأب والزوجة والولد، وقد لا تُذكر الزوجَة. بل يكتفي بالأب وأولاده. وقد لا يذكر الوَلد.

وهذا ما ينفي برأينا تهمة تعصب العَرب لأنسابهم، وقد (2) أفادتنا الكتابات بالجاهلية فائدة كبيرة من ناجية دراسة أسماء القبائل الواردة في كتب النسب والموارد الإسلامية الأخُرى، إذ مكنتنا من الوقوف على الصلات بينها، وعلى معرفة ما سمي منها بالأب أم الأم، كما عَرّفتنا على مواطن عَديدة الخطأ التي وقع فيها النسابون وأصحاب الأخبار، وعلى كثير من الوَضع الذي وضع في النسب أو القصص المروي عن القبائل جهلاً أو عَمْداً أو ظهوراً بمظهر العلم والإحاطة بأنساب العَرب وأخبارهم، الجاهليين منهم والإسلاميين.

 

وقد خصص (ابن النديم) في كتابه (الفهرست) فصلاً بـ (أخبار الإخباريين والنسابين وأصحاب الأحداث)، ذكر فيه أسماء بعض من عُرف واشتهر بحفظه للأنساب، ولاسيما مَن ألّف فيهم تأليفاً في النسب. وقد طُبعت بعض مؤلفات المذكورين، وهي متداوَلة بين الناس. و الذين ذكرهم ابن النديم هم من اشتهر وعرف وذاع خبره في العراق وفي البيئة التي اتصل بها ابن النديم، وهم من أهل الحواضر في الغالب، إلا أن بين أهل البوادي والأماكن القصية النائية المنعزلة جماعة كانت قد تخصصت بالنسب، انحصرت شهرتها في البيئة التي عاشت فيها، ولهذا لم يصل خبرهم إليه وإلينا، وكثير منهم لم يؤلف في النسب تأليفاً، وإنما حفظه حفظاً فهم يعيشون في بيئة شفاهية لم تعرف التدوين كما في الحواضر، شأنهم في ذلك شأن النسابين الجاهليين، أو الذين أدركوا الإسلام.

إننا لو نظرنا إلى الأسباب الحقيقية، والموضوعية التي دَعت العَربي – البَدَوي، وحتى الحضري أو القروي للمحافظة على نسبه، قبل أن تتطور الأمور فيما بعد إلى التفاخر و التنابز بالألقاب والهجاء المقذع المتبادل بين شعراء القبائِل كما هو معروف، وصولاً إلى العصبية المقيتة التي نهى عنها الإسلام، بل وتطور الأمر إلى تسجيل الأنساب(3)، ولم يقتصر التسجيل المذكور على تسجيل نسب القبائل وَحدها، بل شمل ذلك نسب أهل القرى أيضاً، كنسب أهل مكة والمدينة والطائف وغيرها. ذلك لأن سكانها وإن كانوا من أصحاب المدر، وقد أقاموا واستقروا في بيوت ثابتة، الإ انهم كانوا كالأعراب من حيث الانتساب إلى الآباء والأجداد، فإنهم كانوا لا يختلفون عن أهل الوبر في التعلق بالأنساب وفي حفظها، لأن حياتهم الاجتماعية وإن كانت في قرية، إلا أن غريزة المحافظة على النفس والدفاع عن الحقوق حملتهم مثل الأعراب على التمسك بالعصبية، بعصبية النسب، ليتمكنوا من المحافظة على الأمن والسلامة والمال، لعدم وجود حكومة قوية تقوم إذ ذاك بتأمين هذه الواجبات. ثم إن هذه الأماكن كانت محاطة بالأعراب، وبين أهل مكة مَن كانَ شبه حضري، وبيئة مثل هذه لابد لها من الاحتماء بما أسماه جواد علي بـ (عصبية النسب)، وبالتزاوج مع الأعراب، لتكوين رابطة دَموية، تؤدي بدورها إلى عصبية تضطر الطرفين إلى الدفاع عن مصالحها المشتركة وتكوين كتلة واحِدة تستجيب للنخوة ولنداء الاستغاثة في ساعة الحاجة والضرورة. ولهذا كان للتزاوج عند العرب أهمية كبيرة في السياسة.

 

والقرآن الكريم فيه آيات تشير إلى عناية القوم بأحسابهم وأنسابهم، ولكنه لم يتعرض لبيان وجهة نظرهم بالنسبة إليها، ولا يشعر في موضع ما منه بوجود تلك الفكرة – العصبية – التي ألحّ على وجودها أهل الأخبار. وقد كانَ بعض النسابين قد تخصص بنسب جَماعَة من العَرب، جماعة قومه ومن يرتبط بهم في الغالب، مثل (الزبير بن بكار) صاحب كتاب (نسب قريش وأخبارها)، ومثل (عقيل بن أبي طالب)، وكان قد تخصص بنسب قريش، ومثل (أبي الكناس الكندي) وكان أعلم الناس بنسب كندة، ومثل (النجار بن اوس العدواني) وكان أحفظ الناس لنسب معد ابن عدنان، ومثل (عدي بن رثاث الايادي)  وكان عالِماً باياد، ومثل (خراش بن إسماعيل العجلي)، وكانَ عالماً بنسب رَبيعة. والواقدي أبي عبد الله محمد بن عمر المتوفى سنة 7 هـ) صاحب (تصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها)، وعن هؤلاء وأمثالهم أخذ أهل الأنساب علمهم بالأنساب، ووضعوا كتباً في نسب القبائل أو في أنساب العَرَب، أو في أنساب جماعة منهم .

وكان للمستشرقين دور في البحث في موضوع الأنساب، ومنهم المستشرق دوزي Dozy الذي ذهب إلى وجود فروق أساسية بين القحطانيين والعدنانيين، أي العرب العاربة والعرب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

انثروبولوجيا القبيلة في دولة الامارات

كتبها amar alsanjari ، في 10 أغسطس 2006 الساعة: 08:09 ص

أنثروبولوجيا القبيلة في دولة الإمارات

 

عمار السنجري

 

لازالت الدراسات الأنثروبولوجية الجادة، المهتمة بخصوصية مجتمع الإمارات ذي الخلفية القبلية، نادرة، بل ولا نكاد نجد شيء منها غير ما دوّنه بعض الرحالة الأجانب الذين مروا بالمنطقة لفترة من الزمن، كالملاحظات الاثنوغرافية التي دوّنها الرحالة البريطاني بيرترام توماس Bertram Thomas التي ذكرها في كتابه (العربية السعيدة)، ولا نكاد نعثر على دراسة متخصصة عدا ما كتبه الأنثروبولوجي البريطاني بيتر لينهاردت "مشيخات شرق الجزيرة العربية"، Lienhardt, Peter, Shaikhdom of the Eastern Arabia، والذي سيظل من الأعمال المرجعية الأساسية التي سيجري الاستشهاد بها من قبل عدد غير قليل من الدراسات والأبحاث والأعمال المنشورة عن مجتمع الإمارات وربما الخليج أيضاً.(1)

رغم الملاحظات والتحفظات على بعض ما يرد في مثل هذه الدراسات.

تشكل القبيلة بالنسبة لمعظم أبناء القبائل، مجالاًَ محبباً للبحث، والتقصي، عن الأصول والجذور الممعنة في القِدم، وقد قام مجتمع الإمارات العربية المتحدة أساساً على نظام القبيلة، وهي الجماعة الأساسية فيه، وعصب الحية الاجتماعية والسياسية، فشعب الإمارات يشبه أي مجتمع من مجتمعات الجزيرة العربية من ناحية تكوينه. فقد كانت الهجرة إلى هذه الأماكن من طرفين، الطرف الأول وسط وجنوب الجزيرة العربية، والطرف  الثاني من السواحل الشرقية للخليج العربي، ويحوي كثيراً من الهجرات الأجنبية من دول أسيا المجاورة عامة، ومن إيران بخاصة وتلك الهجرات أتت إلي الإمارات بقصد الاستيطان سعياً وراء الرزق، ومجموع هذه الهجرات هو ما يشكل المجتمع السكاني الحالي في الدولة.

يتميز مجتمع الإمارات بأنه متعدد القبائل Multiriebal System  وكذلك تعيش على أرضه تاريخياً جماعات وافدة تشكل جماعات عرقية Ethnic Groups  متعددة الثقافات، تعيش منفصلة ثقافياً مرتبطة اجتماعياً واقتصادياً في قطاعات العمل المختلفة.(2)

لقد كانت سنوات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين صعبة لاستقرار التحالفات القبلية، فقد اختلفت خريطة التحالفات من عقد إلى عقد، ومن سنة إلى سنة في بعض الأوقات، ويتكون مجتمع الإمارات كما أسلفنا من عدة قبائل، ومجموعة بطون وعشائر وأُسر متعددة إلا انه من الملاحظ أنها كانت قد تجمعت منذ السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر، وخلال النصف الأول من القرن الثامن عشر تحت لواء تحالفين يتمثل الأول في تحالف بني ياس، و يتزعمهم آل نهيان، ومقرهم في الظفرة وأبوظبي، ويمتد نفوذهم على طول الساحل من دبي حتى حدود قطر، ثم أصبحت بعد ذلك مدينة أبوظبي عاصمة لهم.

وقد نجح بنو ياس في إقامة تنظيم مستقر في المنطقة فوثائق حكومة بومباي تشير إلى انه سكن بنو ياس عام 1761م جزيرة عُرفت باسم أبوظبي فقد تم اكتشاف المياه فيها، وعندما اكتشفت المياه الحلوة شجع ذلك سكان الصحراء على الوصول إليها. و بذلك بدأت نواة إمارة أبوظبي منذ ثلاثة قرون في واحة ليوا بأرض الظفرة، وكانت واحة ليوا تَضُم زُهاء خمسين قرية سكنتها قبيلتان، هما قبيلة بني ياس وقبيلة المناصير، وقبائل أُخرى. وتحالفات القبيلتان منذ وقت مبكر. وتعتبر قبيلة بني ياس حلف قبائل عديدة وقد تزعمهم جميعاً آل بوفلاح. ولما كان آل بوفلاح ينتسبون إلى ياس، فقد أطُلق على هذا الحلف اسم بني ياس.(3)

أما التحالف الثاني فهو تحالف القواسم، وقد قُدّر لهذين التحالفين، القواسم بقوتهم البحرية، وبني ياس بقوتهم البرية والبحرية معاً أن يكونا ذراعين كبيرين لحماية الوطن والدفاع عنه.(4)

لقد عاش أبناء القبائل وفي كثير من الحالات كمجموعات قرابية واحدة تسكن في قرية واحدة، وقد لا تتجاوز بعض القرى 50 فرداً أو مائة فرد. وهؤلاء ينتمون في العادة إلى عشيرة معينة، وتربط بينهم أواصر قرابة قوية. ويكثر هذا النمط من القرى بين القرى الزراعية، وخاصة قرى الواحات. ورغم قلة أهمية هذه القرى، فإن البعض منها قد أصبح في الوقت الحاضر يمثل مراكز جذب في مناطق الضواحي حول مدينة العين، وحول مدينة الشارقة وعجمان ودبي ورأس الخيمة.

وكانت المدن الرئيسية والثانوية بأجمعها- ماعدا مدينة دبي التي كان طراز البناء الغربي قد دَخلها منذ أواسط القرن المنصرم- تعكس الصورة الحقيقية للبيئة الطبيعية في بساطتها وهندستها ومواد بنائها. وكان هناك ثلاث أنماط من المساكن، الأولى: مشيدة من الحجر، وعددها قليل وتتركز في عواصم الإمارات، والثانية: مبنية من الطين وهي أكثر شيوعاً من الأولى ، والثالثة وهي الأكواخ المقامة من الحصير وسعف النخيل وهي الأعظم انتشاراً ويطلق عليها اسم عريش وعرشان، وكانت أغلب مساكن القرى هي من نوع العريش في كل من مناطق الصيد أو الزراعة وكان أشباه البدو يقيمون أيضاً في مثل هذا النوع من الأكواخ لاسيما في فصل الصيف.(5)

وقد ترتب على ظهور النفط تغيير في توزيع السكان، وقد كانت التغييرات بطيئة في الستينات، ثم اشتد إيقاعها ووصلت ذروتها في السبعينات والثمانينات، حيث بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الاستقرار البشري في دولة الإمارات العربية المتحدة، فالمساكن المنعزلة التي كانت هي الصفة الغالبة على مساكن الصيادين كادت تختفي، قلم يعد قائماً منها سوى نماذج قليلة، كما أن العريش استُبدلَ بمسكن شعبي، كما أن القرية بمفهومها التقليدي القائم على أساس خدمة السكان العاملين في الحرف الأولية، سواء كانت صيداً أم زراعة- لم يعد لها وجود تقريباً، وفقدت القرية وظيفتها التقليدية، وانتقلت إلى مرحلة الارتباط بالكيان الجديد المتمثل في النفط والصناعة، وساعد على ذلك سهولة الاتصال نتيجة لتلك الشبكة الكبيرة من الطرق المرصوفة، هذا بالإضافة إلى قُصر المسافات بين القرى.وترصد الدكتورة نبوية حلمي أبو باشا في كتابها ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

انصاف الاستشراق

كتبها amar alsanjari ، في 10 أغسطس 2006 الساعة: 07:41 ص

 

 

 

 

 

انصاف الاستشراق

 

عمار السنجري

 

إذا كان للبيئة الصحراوية في الإمارات، وما يستتبع هذه البيئة من فضاءات، وأجواء وعادات وتقاليد وثقافة خاصة بالمكان، فتساعد كثيراً على البحث، واستشعار لذة هذا البحث والذهاب عميقاً، وبعيداً، في جذور وجماليات البداوَة، ورصد تلك الجماليات في تتبع آثار شاعر نبطي خلّدها بشِعره، و رَسَم صورة (ناطقة) بالكلمات، البسيطة، العفوية، زمنٍ مضى ولن يعود، صورة بالأسود والأبيض، لزمن جميل بمعانيه ومعاناته.

فإن الدخول إلى عالم البَداوَة والبدو الذي شُغف به الكثير من المستشرقين، لم يقتصر على ذلك العالم التقليدي، الكلاسيكي، النمطي، المتعارف عليه، ومن خلال مساهمات تنوعت في هذا المجال تراوحت بين التاريخ الموثق المكتوب، والتاريخ الشفوي، والاثنولوجيا والانثروبولوجيا والدراسات المعمقة في ثقافة وتاريخ وجغرافية المكان، كانت تتفتح أمام المهتم، آفاق جديدة. و تتوالد أفكار للبحوث تدور في فلك الشغف الأول. بقى الأمر على هذا القدر من الاقتراب الحذر من عالم شُغفوا به كما شغف الكثير غيرهم من قبل إلى أن وصل الولع بهم إلى أدب الرحلة، ذلك العالم الذي فتح أمامنا المجال واسعاً على استعادة ذلك الزمن بكل زخمه وعنفوانه وألقِه إلى لا يخبو، أن (وَثّقوا) كل ما يمكن أن تقع عليه العين. وإذا كانت الصحراء تبدو لأول وَهَلة وليس بها إلا الفضاء والسكون، فما ذلك إلا لأنها لا تبدي حسنها كما يقول سانت اكسوبري إلا لمن يطيلون الإقامة بها. هذه الصحراء التي قال عنها اكسوبري نفسه ذلك الطيار الأديب الرحالة، لقد هُيّئ لي ذات يوم أن أمسّها بقلبي، وذلك من فرط هيامه بكل ما تعنيه وما شكلته الصحراء في مخيلة الغرب. ولكن على الرغم من الاكتشافات العديدة التي قامَ بها الرحالون الأنثروبولوجيون والدبلوماسيون في الجزيرة العربية و أطرافها، فقد بقي الاهتمام بعادات وتقاليد القبائل وخصائصها الحضارية بعيدة عن اهتمام أغلب أولئك الرحالة، وكل جل ما يوجهون إليه اهتمامهم هو نحو الصعوبات التي يمكن أن تقابلهم خلال سعيهم للوصول إلى أهدافهم الأساسية، مدفوعين بغرور متعال وأحكام مسبقة، يبعدانهم عن الواقع في اغلب الأحيان كما يبدو من تصفح ما تركوه من آثار سواءَ كانت بحوثاً، أو دراسات أو أدب رحلة، ولكن هذا لا يعني أن كل ما وَصلنا كان ملغوماً بالتحامل أو الحكم المسبق، بل أن بعضهم كتب يمتدح العَرَب أو على الأقل وَصفهم بأوصاف يمكن أن تصنف بأنها "حيادية" بصورة أو بأخرى.

ولعل من أشهر ما وَصلنا من تلك الآثار كتاب الحب لستاندال، حيث يدون فيه خواطره وتصوراته كما هو واضح من العنوان بكل ما يتعلق بموضوع الحب والعشق ومقارنة وجهة النظر الغربية، بما ينظر إليه الشرقي إلى هذا الإحساس الإنساني المشترك، فكتب يقول…

يجب البحث عن الحب النموذجي الحقيقي و موطنه، يجب البحث عنه تحت تلك الخيمة، الشديدة السواد للبدو من العرب. هناك كما في أماكن أخرى خلقت العزلة وجمال المناخ أشرف ما يخالج قلب الإنسان من عواطف، ولكي تجد تلك العزلة السعادة هي بحاجة إلى استلهامها بالدرجة نفسها التي تشعر بها. وحتى يظهر الحب على ما ينبغي أن يكون عليه داخل قلب الإنسان، يجب إقامة مساواة قدر الإمكان بين الحبيب وحبيبته، وهذه المساواة منعدمة في غربنا الكئيب. فكل امرأة مهجورة تفقد سعادتها أو شرفها. وتحت خيمة العربي لا يسمح "بخيانة الثقة" وإلا فهي جريمة يتبعها مباشرة الاحتقار أو الموت.

إن إعجاب ستاندال هذا، قد يكون من تأثير كتابات الشعراء والرحالة الغربيين الذين زاروا الشرق وكتبوا عنه، وبأسلوب يمكن تصنيفه بالموضوعية يصف ديودور سيسيل العرب لقارئِه الغربي فيذكر أنه ..

من غير المجدي أن نحكي عن عادات هؤلاء العرب لمن يجهلهم، تلك العادات التي استطاعوا بفضلها على ما يبدو أن يحافظوا على حريتهم، فهم يعيشون في الهواء الطلق ويسمون وطناً تلك المنطقة الخالية من السكان، والتي هي بدون أنهار ولا عيون وافرة قد ترتوي منها جيوش معادِيَة. تمنعهم عاداتهم من الزراعة، وغرس أشجار الفواكه، وشرب الخمر، وبناء البيوت، ومن حَدَّثته نفسه بسلوك طريق غير هذا فمصيره الموت. وقد اعتاد الكثير منهم أن ينقل إلى حدود البحر البخور والمر المكاوي وأغلى العطور التي يدعها بين أيديهم، أولئك الذين يرسلونها انطلاقاً مما يسمى بالجزيرة العربية السعيدة. إنهم مولعون بالحرية، وعندما تهاجمهم جَماعة أقوى منهم فإنهم يتوغلون في الصحراء التي يعتبرونها قلعة لهم.

على أن كتاب الرحلات كانوا يستخدمون العَرَب بمثابة رموز أحياناً تعبّر عن ميول كل منهم، فإذا كان الكاتب يريد الصفاء العرقي فالعرب هم أصحابه، وإذا كان معجباً بالفروسية فالعرب هم أهلها، أما إذا كان لا يطيق الأديان الأخرى فالعرب مم أولوا العصبية الذين يجسدون في رأي كاتب مثل داوتي على سبيل المثال، شرور الهرطقة الدينية. ولماّ كان التقشف هو محل إعجاب الإنجليز وتقديرهم فانهم كانوا يرَون في البدو رموزاً للصفاء الخلقي والزهد ونكران الذات، وينادون بضرورة صون هذه الرموز والإبقاء عليها في ظروفها الأصلية دونما تغيير لأن المسّ بهذه الظروف معناه تعريض الرمز نفسه للخطر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لهجات القبائل في الجزيرة العربية

كتبها amar alsanjari ، في 10 أغسطس 2006 الساعة: 07:31 ص

 

لهجات القبائل في الجزيرة العربية

 عمار السنجري

تنحدر ثقافة الجزيرة العربية في مجملها من أصول عربية قديمة، لم يؤثر فيها الدخيل الوافد الاّ بقدر ضئيل جداً، فعادات الجزيرة وتقاليدها وفنونها الشعبية القولية منها وغير القولية هي في معظمها امتداد لما كان موجوداً عند العرب القدماء، وكذلك لهجات الجزيرة في بواديها وشعابها وقراها هي في معظمها تطور للعربية الأُم في متنها الأدبي أو فرعها اللهجي، أثرت فيها ظروف الجزيرة البيئية والاجتماعية، ولذلك فهي تحافظ على كثير من ملامح اللغة العربية القديمة.

ويشير الدكتور أحمد محمد الضبّيب في تقديمه لكتاب المستشرق ت.م. جونستون الأشهر في مجال اللهجات العربية (دراسات في لهجات شرق الجزيرة العربية) أن التأثير الأجنبي في لهجات الجزيرة وخاصة في لهجات الصحراء، والقرى، فهو تأثير سطحي، جانبي، لا يكاد يغير شيئاً في نظام اللغة في صوتياتها أو صرفها وإنما هو في أكثره، يتمثل في كلمات مستعارة من لغات أخُرى. ويكفي أن نذكر أن من الظواهر اللغوية التي ذُكرت في المصادر القديمة لازالت تشيع في بوادي الجزيرة، مما ذكره العلماء القدماء في كتبهم كالعنعنة والعجعجة، والكشكشة، والقطعة، والإمالة، وغير ذلك من ظواهر صوتية وصرفية ونحوية ودلالية.

 

وعندما انطلق الفاتحون الأوائل من الجزيرة العربية إلى الأقطار المجاورة، كان الإسلام هو الهدية الأولى التي يقدمها هؤلاء إلي الأمم الأخرى، وكانت اللغة العربية هي الهدية الثانية. وكان من الطبيعي أن تتلون هذه اللغة بالبيئة التي تنتقل إليها، وبينما كانت اللهجات في هذه البيئات تتطور بفعل تأثيرات حضارات عريقة كانت سائدة فيها من قبل، ولذلك نجد الاختلافات الواضحة بين لهجات الخطاب في كل قطر من أقطار العروبة، فكان لابد للعربية الوافدة من أن تمتص آثار تلك الموروثات وتتمثلها، فنجد مثلاً في العراق أن اللهجة العراقية تسْتَمَد صيغتها من مكونات حضارية سابقة بعضها مغرق في القِدَم، كذلك الأمر في بلاد الشام، إذ نجد أن تأثير اللغة الآرامية واضحاً سواء في صوتيات اللهجة العربية السورية هناك – مع الأخذ بالطبع بنظر الاعتبار التوزيع اللهجي الجغرافي في كل قطر عربي- أو في بنائها أو تركيب الجملة فيها، والأمر ينسحب على اللهجات العربية الأخُرى سواء في مصر واللهجة المصرية المعاصرة أو دول شمال أفريقيا أو بقية بيئات العالم العربي والإسلامي المختلفة التي تتشكل لهجاتها العربية بتأثيرات سابقة وبينما كانت اللهجات في هذه البيئات تتطور بفعل هذه المؤثرات، كانت اللهجات داخل الجزيرة العربية تتطور أيضاً وتتفاعل فيما بينها، غير أن هذه اللهجات كانت في معظمها وثيقة الصلة بالعربية الأمُ، قريبة العلاقة بالفصحى، فهي لم تخلف حضارات أجنبية، ولم تتطور في بيئات مغايرة، ولم تصادف تأثيرات مضادة كتلك التأثيرات التي لقيتها العربية في البيئات الأخرى، وإنما تطورت في مرابع العَرب، واستمدت في تراثهم القديم، وقد حفظت الجزيرة العربية في بيئاتها المختلفة أصُول هذا التراث كما حفظت أصول هذه اللغة، لذلك فهو تطور لا يرتكز على تأثير دَخيل، ولا يستمد من أجسام غريبة، وإنما هو تطور للغة في مهدها الأصلي، وقد كانت أجزاء متفرقة منه إلى عهد قريب، معزولة عن العالم عزلة تامة، فكانت بمنأى عن التأثيرات الأجنبية مهما كان نوعها.

 

وهكذا نجد أن معظم بيئات الجزيرة العربية – خاصة تلك البيئات البعيدة عن مراكز التجمع المختلط، كالمدن الكبيرة التي يسكنها أخلاط من أجناس مختلفة – هي امتداد طبيعي لبيئات العربية القديمة بلهجاتها المختلفة.

 

ويؤكد د. الضبيّب أن تسجيل هذه اللهجات التقليدية في هذا الوقت، ودراستها في بيئاتها المختلفة، يضيف إلى تاريخنا اللغوي شيئاً كثيراً، ويجعلنا أقدر على تصّور اللغة العربية القديمة، وتمثل ظروفها التي نشأت فيها، وذلك قبل أن تندثر هذه اللهجات ويندثر معها سجل حي للغتنا المعاصرة، كما اندثرت سجلات هذه اللغة فيما مضى من عصور.

 

وفي مجال الرصد والتحليل والتقويم لبحوث اللهجات المعاصرة، قُدّمت الكثير من الرسائل (الاطروحات) التي تقدم بها الباحثون إلى الجامعات العربية والأوروبية والأمريكية، للحصول بها على درجة جامعية، لأنها تسلك المنهج العلمي، في اختيار جوانب الدراسة، وفي إعدادها، وفي الالتزام بالملاحظة والتجربة، والاستعانة بالأجهزة العلمية، وتحقيق الغاية في الدراسة العلمية، وهي التوصل إلى القانون العلمي، ولأنها تخضع لإشراف العلماء المتخصصين وتوجيههم وتقويمهم. ولعل من أهم تلك الدراسات العلمية التي اهتمت بلهجات الجزيرة العربية والخليج، هي الدراسة التي قامَ بها المستشرق ت. م. جونستون T.M.JOHNSTONE التي تقدم بها إلى جامعة لندن، لنيل درجة الدكتوراه بإشراف البروفيسور سرجنت R.B.SERJENT وحصل عليها عام 1962م، وقد نشرت الرسالة ضمن مطبوعات جامعة اكسفورد OXFORD عام 1967م بعنوان EASTERN ARABIAN DIALECT STUDIES BY (T.M.JOHNSTONE) وقد ترجمها إلى العربية ترجمة محكمة متقنة الدكتور أحمد محمد الضبيّب وصدرت طبعتها العربية الأولى ضمن مطبوعات جامعة الرياض عام 1975وأشار المترجم في المقدمة، إلى أنها دراسة مبتكرة تستهدف الكشف عن خصائص اللهجات في ساحل الجزيرة الشرقي، من الكويت شمالاً حتى عُمان جنوباً، تصف الوضع اللغوي في هذه المنطقة وتسجله بدقة، وتقف عند الظواهر وتناقشها، ثم تُوازن بين ظهورها في هذه البيئة وظهورها في بيئات أخُرى. وهو بهذا يغطي مساحة كبيرة لا نعرف أحداً سبقه إليها- حسب المترجم- وهو يتعرف على هذه اللهجات في بيئاتها المحلية، محاولاً تحديد الفروق وحصر السمات اللغوية المشتركة بين هذه اللهجات.

 

بدأت دراسة اللهجات في العصر الحديث على أيدي المستشرقين خاصة في منطقة الجزيرة والخليج، وذلك ضمن النشاط الكبير الذي قام به هؤلاء للبحث في أحوال أمُم الشرق وتراثها وحضارتها. وقد أخذ عدد من المستشرقين منذ القرن التاسع عشر يسجلون ويدرسون نماذج للهجات العربية الحديثة في مناطق مختلفة من العالم العربي، وقد حظيت أقطار الشمال الأفريقي، وسوريا وفلسطين، والعراق، بالجهد الأكبر من هذه الدراسات، وذلك لسهولة وصول الباحثين إليها وتكاثرهم فيها، وجاءت هذه الدراسات اللهجية في أنماط مختلفة فكان منها كتُب المعاجم، ومنها الدراسات الوصفية، ومنها كتب تعليم اللغة للأجانب، وكتب النصوص. ولعل أول أطلس لغوي ظهر عن لهجات العالم العربي هو ذلك الذي ألفهُ برجستراسر Bergsträsser بعنوان "أطلس لهجات سوريا وفلسطين- Sprachatlas von Syrien und Pälestina,Leipzig,1915  كما أن من أهم العلماء الذين درسوا اللهجة العربية في منطقة سوريا والأردن والمستشرق الفرنسي كانتينو J.Cantineau  فقد بدأ دراساته عن هذه المنطقة عام 1934م، بكتابه عن اللهجة ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الموقع قيد الانشاء

كتبها amar alsanjari ، في 9 أغسطس 2006 الساعة: 19:15 م

السادة الزوار الكرام

هذا الموقع قيد الانشاء، وسيضم مجموعة من الأبحاث في التراث وتاريخ الجزيرة العربية والخليج ,إضافة إلى مج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb