Yahoo!

لهجات القبائل في الجزيرة العربية

كتبهاamar alsanjari ، في 10 أغسطس 2006 الساعة: 07:31 ص

 

لهجات القبائل في الجزيرة العربية

 عمار السنجري

تنحدر ثقافة الجزيرة العربية في مجملها من أصول عربية قديمة، لم يؤثر فيها الدخيل الوافد الاّ بقدر ضئيل جداً، فعادات الجزيرة وتقاليدها وفنونها الشعبية القولية منها وغير القولية هي في معظمها امتداد لما كان موجوداً عند العرب القدماء، وكذلك لهجات الجزيرة في بواديها وشعابها وقراها هي في معظمها تطور للعربية الأُم في متنها الأدبي أو فرعها اللهجي، أثرت فيها ظروف الجزيرة البيئية والاجتماعية، ولذلك فهي تحافظ على كثير من ملامح اللغة العربية القديمة.

ويشير الدكتور أحمد محمد الضبّيب في تقديمه لكتاب المستشرق ت.م. جونستون الأشهر في مجال اللهجات العربية (دراسات في لهجات شرق الجزيرة العربية) أن التأثير الأجنبي في لهجات الجزيرة وخاصة في لهجات الصحراء، والقرى، فهو تأثير سطحي، جانبي، لا يكاد يغير شيئاً في نظام اللغة في صوتياتها أو صرفها وإنما هو في أكثره، يتمثل في كلمات مستعارة من لغات أخُرى. ويكفي أن نذكر أن من الظواهر اللغوية التي ذُكرت في المصادر القديمة لازالت تشيع في بوادي الجزيرة، مما ذكره العلماء القدماء في كتبهم كالعنعنة والعجعجة، والكشكشة، والقطعة، والإمالة، وغير ذلك من ظواهر صوتية وصرفية ونحوية ودلالية.

 

وعندما انطلق الفاتحون الأوائل من الجزيرة العربية إلى الأقطار المجاورة، كان الإسلام هو الهدية الأولى التي يقدمها هؤلاء إلي الأمم الأخرى، وكانت اللغة العربية هي الهدية الثانية. وكان من الطبيعي أن تتلون هذه اللغة بالبيئة التي تنتقل إليها، وبينما كانت اللهجات في هذه البيئات تتطور بفعل تأثيرات حضارات عريقة كانت سائدة فيها من قبل، ولذلك نجد الاختلافات الواضحة بين لهجات الخطاب في كل قطر من أقطار العروبة، فكان لابد للعربية الوافدة من أن تمتص آثار تلك الموروثات وتتمثلها، فنجد مثلاً في العراق أن اللهجة العراقية تسْتَمَد صيغتها من مكونات حضارية سابقة بعضها مغرق في القِدَم، كذلك الأمر في بلاد الشام، إذ نجد أن تأثير اللغة الآرامية واضحاً سواء في صوتيات اللهجة العربية السورية هناك – مع الأخذ بالطبع بنظر الاعتبار التوزيع اللهجي الجغرافي في كل قطر عربي- أو في بنائها أو تركيب الجملة فيها، والأمر ينسحب على اللهجات العربية الأخُرى سواء في مصر واللهجة المصرية المعاصرة أو دول شمال أفريقيا أو بقية بيئات العالم العربي والإسلامي المختلفة التي تتشكل لهجاتها العربية بتأثيرات سابقة وبينما كانت اللهجات في هذه البيئات تتطور بفعل هذه المؤثرات، كانت اللهجات داخل الجزيرة العربية تتطور أيضاً وتتفاعل فيما بينها، غير أن هذه اللهجات كانت في معظمها وثيقة الصلة بالعربية الأمُ، قريبة العلاقة بالفصحى، فهي لم تخلف حضارات أجنبية، ولم تتطور في بيئات مغايرة، ولم تصادف تأثيرات مضادة كتلك التأثيرات التي لقيتها العربية في البيئات الأخرى، وإنما تطورت في مرابع العَرب، واستمدت في تراثهم القديم، وقد حفظت الجزيرة العربية في بيئاتها المختلفة أصُول هذا التراث كما حفظت أصول هذه اللغة، لذلك فهو تطور لا يرتكز على تأثير دَخيل، ولا يستمد من أجسام غريبة، وإنما هو تطور للغة في مهدها الأصلي، وقد كانت أجزاء متفرقة منه إلى عهد قريب، معزولة عن العالم عزلة تامة، فكانت بمنأى عن التأثيرات الأجنبية مهما كان نوعها.

 

وهكذا نجد أن معظم بيئات الجزيرة العربية – خاصة تلك البيئات البعيدة عن مراكز التجمع المختلط، كالمدن الكبيرة التي يسكنها أخلاط من أجناس مختلفة – هي امتداد طبيعي لبيئات العربية القديمة بلهجاتها المختلفة.

 

ويؤكد د. الضبيّب أن تسجيل هذه اللهجات التقليدية في هذا الوقت، ودراستها في بيئاتها المختلفة، يضيف إلى تاريخنا اللغوي شيئاً كثيراً، ويجعلنا أقدر على تصّور اللغة العربية القديمة، وتمثل ظروفها التي نشأت فيها، وذلك قبل أن تندثر هذه اللهجات ويندثر معها سجل حي للغتنا المعاصرة، كما اندثرت سجلات هذه اللغة فيما مضى من عصور.

 

وفي مجال الرصد والتحليل والتقويم لبحوث اللهجات المعاصرة، قُدّمت الكثير من الرسائل (الاطروحات) التي تقدم بها الباحثون إلى الجامعات العربية والأوروبية والأمريكية، للحصول بها على درجة جامعية، لأنها تسلك المنهج العلمي، في اختيار جوانب الدراسة، وفي إعدادها، وفي الالتزام بالملاحظة والتجربة، والاستعانة بالأجهزة العلمية، وتحقيق الغاية في الدراسة العلمية، وهي التوصل إلى القانون العلمي، ولأنها تخضع لإشراف العلماء المتخصصين وتوجيههم وتقويمهم. ولعل من أهم تلك الدراسات العلمية التي اهتمت بلهجات الجزيرة العربية والخليج، هي الدراسة التي قامَ بها المستشرق ت. م. جونستون T.M.JOHNSTONE التي تقدم بها إلى جامعة لندن، لنيل درجة الدكتوراه بإشراف البروفيسور سرجنت R.B.SERJENT وحصل عليها عام 1962م، وقد نشرت الرسالة ضمن مطبوعات جامعة اكسفورد OXFORD عام 1967م بعنوان EASTERN ARABIAN DIALECT STUDIES BY (T.M.JOHNSTONE) وقد ترجمها إلى العربية ترجمة محكمة متقنة الدكتور أحمد محمد الضبيّب وصدرت طبعتها العربية الأولى ضمن مطبوعات جامعة الرياض عام 1975وأشار المترجم في المقدمة، إلى أنها دراسة مبتكرة تستهدف الكشف عن خصائص اللهجات في ساحل الجزيرة الشرقي، من الكويت شمالاً حتى عُمان جنوباً، تصف الوضع اللغوي في هذه المنطقة وتسجله بدقة، وتقف عند الظواهر وتناقشها، ثم تُوازن بين ظهورها في هذه البيئة وظهورها في بيئات أخُرى. وهو بهذا يغطي مساحة كبيرة لا نعرف أحداً سبقه إليها- حسب المترجم- وهو يتعرف على هذه اللهجات في بيئاتها المحلية، محاولاً تحديد الفروق وحصر السمات اللغوية المشتركة بين هذه اللهجات.

 

بدأت دراسة اللهجات في العصر الحديث على أيدي المستشرقين خاصة في منطقة الجزيرة والخليج، وذلك ضمن النشاط الكبير الذي قام به هؤلاء للبحث في أحوال أمُم الشرق وتراثها وحضارتها. وقد أخذ عدد من المستشرقين منذ القرن التاسع عشر يسجلون ويدرسون نماذج للهجات العربية الحديثة في مناطق مختلفة من العالم العربي، وقد حظيت أقطار الشمال الأفريقي، وسوريا وفلسطين، والعراق، بالجهد الأكبر من هذه الدراسات، وذلك لسهولة وصول الباحثين إليها وتكاثرهم فيها، وجاءت هذه الدراسات اللهجية في أنماط مختلفة فكان منها كتُب المعاجم، ومنها الدراسات الوصفية، ومنها كتب تعليم اللغة للأجانب، وكتب النصوص. ولعل أول أطلس لغوي ظهر عن لهجات العالم العربي هو ذلك الذي ألفهُ برجستراسر Bergsträsser بعنوان "أطلس لهجات سوريا وفلسطين- Sprachatlas von Syrien und Pälestina,Leipzig,1915  كما أن من أهم العلماء الذين درسوا اللهجة العربية في منطقة سوريا والأردن والمستشرق الفرنسي كانتينو J.Cantineau  فقد بدأ دراساته عن هذه المنطقة عام 1934م، بكتابه عن اللهجة العربية في تدمر Les diealecte arabe de Palmyre. ومن أهم أعماله كتابه عن لهجة حوران Les parlers arabes du Hōrân الذي أصدره عام 1946م وألحق به أطلساً من ستين خريطة. أما الجزيرة العربية فلم تصادف لهجاتها عناية كبيرة من الدارسين حتى عصر النهضة الحديث، فقد كانت تقف أمامهم في الماضي عقبات كثيرة، وقد انصب اهتمام المستشرقين أول الأمر على أطراف الجزيرة العربية فوجدنا أبحاثاً تتناول لهجات اليمن وحضرموت والخليج العربي.

 

        ويعد المستشرق والن Wallin من الرواد الأوائل الذين دَرَسوا لهجات الجزيرة العربية وذلك سنة 1848م فقد أصدر مجموعة من النصوص نشرت في مجلة المستشرقين الألمانية ZDMG عامي 1851-1852م كما أن المستشرق الهولندي سنوك هرجرونيه Snouck Hurgronje من أهم المستشرقين الرحالة الذين زاروا بلاد العرب في القرن التاسع عشر، وقد سجل أثناء إقامته في مكة بعض الأمثال والألغاز المكية، ورحلته هذه ُترجمت ونشرتها مشكورة دارة الملك عبد العزيز بطبعة جيدة وأنيقة.

 

        ومن المستشرقين الأوائل الذين اهتموا بلهجة حضرموت وجنوب الجزيرة العربية كارلو لاندبيرج Carlo Landberg وقد أصدر فيها بين عامي 1901-1913م كتابه الضخم عن لهجتي حضرموت ودثينة، وله مؤلفات أخُرى عن قبيلة عنزة، ومعجم لألفاظ هذه القبيلة. كما أن من أشهر العلماء الذين درسوا لهجة عَدَن وحضرموت العالم الإيطالي روسي Rossi وقد كتب منذ عام 1937م عدة مقالات عن اللهجة العربية في تلك الأصقاع. ومن المستشرقين الذين اهتموا بهذه المنطقة أيضاً رودو كاناكس Rodo Kanakis وقد كتب عن لهجة ظفار الدارجة كتاباً صدر فيما بين عامي 1908-1911م.

 

        ورغم إن معظم أعمال المستشرقين القدماء كانت تقوم على جمع المادة ودراستها بطريقة تقليدية، وكانت في معظمها تتميز بالخلط وكثرة الأخطاء، إذ لم تكن الدراسات اللغوية قد تقدمت، ولم تكن وسائل التسجيل والملاحظة والقياس قد تطورت إلى ما نراها عليه في الوقت الحاضر، نقول رَغم كل ذلك، فإننا ينبغي أن نعترف لهم بفضل الريادَة، ونقدّر لهم دأبهم وجهدهم فيما قاموا به في هذا الجانب من الدراسات اللغوية. أما الآن فإننا نجد في الغرب دراسات متطورة جديدة، ففي كثير من الجامعات الأوربية والأمريكية دراسات متطورة للهجات البلاد العربية، وتحظى الجزيرة العربية بقسط كبير من هذه الدراسات لما في لهجاتها  من اتصال وَثيق بالعربية الأم، واحتفاظ بخصائص لغوية نادرة لم تعد توجد في لهجات الأقطار الأخُرى.

 

        ومن الطبيعي أن يجد الباحثون لمحدثون بغيتهم في دراسة اللهجات في الجامعات الغربية، وذلك لوفرة الاستعدادات في هذه الجامعات مما يعين على الدراسة في هذا المجال. فوجدنا كثيراً من الموفدين العرب يقدمون الاطروحات في لهجات بلادهم، ولعل من أكثرها أهمية في مجال دراسات لهجات الجزيرة العربية رسالة الدكتور السعيد بدوي عن لهجة الرياض التي قدمها الى جامعة لندن سنة 1965م، ورسالة الدكتور عبدالله الندوي عن لهجة غامد وزهران التي قدمها الى جامعة ليدز وأبحاث الدكتور بيتر عبّود في جامعة تكساس عن لهجة حائل.

 

        ورسالة فاطمة الخليفة دراسة تنغيمية في عربية بدو الكويت التي تقدمت بها إلى جامعة لندن 1984م للحصول على درجة الدكتوراه في لهجات البدو في الكويت AN INTERNATIONAL STUDY OF KUWAITI BEDUIN ARABIC  كذلك الرسالة التي تقدم بها درويش غلوم حسين الموسومة بالمتغيرات اللغوية واللغوية الاجتماعية في لهجة قطر 1985م إلى جامعة أدنبرة للحصول على درجة الدكتوراه في علم اللغة الاجتماعي: LEXICAL AND SOCIOLINGUISTIC VARIATION IN QATARI ARABIC كما تقدمت فوزية عبد العزيز بوكشيشة إلى جامعة ادنبره برسالة عنوانها؛ دراسة تجريبية لجوانب من مستويات عربية قطر-1985م AN EXPERIMENTAL PHONETICS STUDY OF SOME ASPECTS OF QATARI ARABIC. كما حصلت الدكتورة منيرة خلف المهندي على الدكتوراه في علم اللغة (تخصص لغة إنجليزية) من جامعة إسكس-كولشستر بدراسة لغوية اجتماعية لكلام النساء في قطر عام 1991م.

 

        أما أول رسالة في اللهجات باللغة العربية يتم نشرها مرتين (1967-1981) فهي الرسالة التي تقدم بها الأستاذ الدكتور عبد العزيز مطر إلى جامعة القاهرة، وحصل بها على درجة الماجستير 1961م، وثم حصل على درجة الدكتوراه وكان عنوان الرسالة: دراسة لغوية في لهجة البدو في أقليم ساحل مريوط (الساحل الشمالي لجمهورية مصر العربية).

وإذا ُذكرت جهود اللغويين العرب المعاصرين، في مجال اللهجات العربية، قديمها وحديثها ومعاصرها، فلابد أن نذكر في المقدمة جهود إبراهيم أنيس، وصاحب أول رسالة (أطروحة) دكتوراه في لهجة القاهرة، ينالها من جامعة لندن، بإشراف اللغوي العلاّمة J.R.FIRTH عام 1941م.

 

ولعل من أهم مراكز البحوث ذات الرسالة المهمة في مجال اللهجات العربية، منهجاً، ودراسة، ونشراً، مركز التراث الشعبي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومقره الدوحة. فإلى جانب الندوات إلى يقيمها، والدراسات التي يقوم بها خبراؤه وباحثوه، يصدر المركز مجلة فصلية عنوانها "المأثورات الشعبية" نشرت على صفحاتها عدداً من المواضيع والبحوث والمقالات مما يتصل اتصالاً وثيقاً بموضوع اللهجات خاصة في الجزيرة و الخليج.

 

وصدر عن منشورات المركز دراسات مهمة ومميزة في هذا المجال منها رسالة دكتوراه باللغة الإنجليزية لفاطمة إبراهيم الخليفة المذكورة آنفاً عن التنغيم في اللهجة البدوية بالكويت. ورسالة الماجستير عن لهجة العجمان (القبيلة العربية المعروفة) في الكويت باللغة العربية لشريفة المعتوق. ولازال المركز يتابع الموضوعات المتصلة باللهجات وهي موضوعات تتصل برسالة المركز في التراث الشعبي ومنه اللهجات العربية.

 

ومادام الحديث عن موضوع البحوث والدراسات المتعلقة باللهجات – خاصة في منطقة الجزيرة العربية والخليج وهو الموضوع الذي نناقشه – لابد من التطرق إلى موضوع معجمات اللهجات، واجتهاد أصحاب هذه المعجمات في محاولة رد الكلمات إلى أصولها، لأن معظم – حتى لا نعمم إن كان البعض لازال يعمل على معجم لهجي لم يصدر بعد – هذه المعجمات لا تسلك المنهج العلمي في جمع المادة، ولا تتبع منهج الدراسات الصوتية، والصرفية، والنحوية، ولا في رَد الكلمات العامية إلى أصُول عربية، وما يعيبها هو وجود تخمينات كثيرة، واجتهادات شخصية دون الرجوع إلى البحث الميداني الحقيقي، بأخذ الألفاظ – أو ألا لافيظ – من أفواه رواه كبار السن، والاكتفاء بتوزيع بعض أساتذة الجامعات لاستمارات على الطلبة والطالبات، أو الاكتفاء بسماع أحاديثهم اليومية وتدوينها، ويكفي أن نذكر هنا المستشرق الويس موزل أقام فترة طويلة في مضارب قبيلة الرولة، ما يقارب الثماني سنوات وهو يستمع إلى أحاديثهم ويدونها دون توفر الأجهزة الحديثة للتسجيل الصوتي، عندما كتب كتابه عادات الرولة وأخلاقهم، مع اعترافنا بالطبع إن مشاريع ميدانية مثل مشاريع المعجمات، تحتاج إلى فِرَق عمل متفرغة للجمع، ولكن أن يُعتمد على أحاديث متفرقة لطلاب وطالبات في الجامعة، أو توزيع كما أسلفنا استبانات أو استمارات وتكليفهم بالتحري والجمع، فهذا أمر رغم إيماننا بفائدته، لا انه لابد من النزول إلى الميدان بالنسبة للباحث بنفسه، والاستماع من المصادر الرئيسية –كبار السن- وليس الاعتماد فقط على ما وَرَثه الجيل الجديد من كلمات وعبارات من الآباء والأجداد، ولكن أن نترك الأصل ونلاحق الفرع، فهذا برأينا (استسهال) للأمر ولا يمكن أن نُدخله في باب الأمانة العلمية المطلوبة.

 

ولا تخلو هذه المعجمات بلاشك من الفوائد العلمية، فهي تقدم المادة العلمية للدارسين في علم السيميائية أو دَلالة الألفاظ، وألفاظ اللهجات التي تفيد السياح والراغبين في معرفة اللهجات، والمقارَنة بين اللهجات المختلفة واستغلال هذه المادة لأغراض تربوية أو ما يمكن أن يدخل في باب علم اجتماع اللغة، وما يمكن أن يستفاد منه في البحوث ذات الطابع الأنثروبولوجي.

 

وفي ندوة اللسانيات واللغة العربية التي أقيمت في بوخارست سنة 1996م في رومانيا برعاية مركز الدراسات العربية التابع لجامعة بخارست، قدم الدكتور عبد العزيز مطر بحثاُ مهماً تحت عنوان البحوث المعاصرة في اللهجات العربية: رصد وتحليل وتقويم، استعرض فيه بعض المعجمات المختصة باللهجات ومنها معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات، تأليف الدكتور فالح حنظل ومراجعة غسان الحسن وعرض المعجم ونقده عمر محمد الحسن في مقالين نُشرا في العددين 30،23 من مجلة مركز التراث الشعبي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (المأثورات الشعبية). ومن أمثلة ما جاء في هذا المعجم لفظ شرحه المؤلف وحاول المراجع رجعه إلى أصله، واستطاع الناقد تحديد أصله، ففي المعجم ص:410 (عسم) العسم من الأشخاص هو الذي (لا يطيع الشور) أي لا يقبل مشورة أحد فهو عنيد وإذا اشتغل بمهنة خربها ولم يتقنها، وعكسه هو الشخص الأيمن (هكذا !)، وهو المطيع السلس المجيد في مهنته وعمله، والأيام العسمة ومثلها العسوم هي الأيام النحس والنكدة في حياة الإنسان. فقال مراجع المعجم: أغلب الظن أنها من الفصيحة، عمس الأمر أي تجاهله وادعى انه لا يعرفه وهو يعرفه والمعامس هو الذي يتعسف الأمور كالجاهل، وفي العامية حدث في الكلمة قلب مكاني. وقال الناقد: الكلمة بلفظها (عسم) من أصل فصيح، عسم: يَبس، وعسمت القَدَم والكف عسماً يبست.. قال الناقد: الكلمة معروفة في العامية السودانية بمعناها الفصيح، يقولون ظهري معسم أي يابس. هذا نموذج يُطلعنا على أن هذا المعجم وغيره لا يعدو أن يكون، حسب مطر، تسجيلاً لكلمات جمعت من المتكلمين باللهجة، دون تحديد، ولا تعدو شروحه وتفسيراته أن تكون في غالب الأحيان تخميناً، أو اعتماداً، على ما يُتَداوَل من أحاديث ودردشات بين الاساتذه الجامعيين وطلابهم وطالباتهم أثناء زيارتهم في مكاتبهم في كلياتهم أثناء الساعات المكتبية كما يذكر أحد الاساتذه الذين اشرفوا على معجم من هذه المعجمات المهتمة (بلهجة) الإمارات.

        كثيراً ما كانت تستوقفني بعض الألفاظ التي يتلفظ بها بعض الطلاب، والطالبات أثناء المحاضرات، في قاعات الدرس، وأثناء استفساراتهم، وتساؤلاتهم عن بعض المسائل، العلمية في مكاتب أعضاء هيئة التدريس، أو في أثناء انتقالهم جماعات من خلال ممرات إلى قاعات الدرس، أو في الندوات العامة، والمؤتمرات العلمية، والقول نفسه في بعض المحال التجارية، ووسائل الإعلام المختلفة، التي تشتمل على بعض أبناء هذه الدولة، وفي أثناء قراءاتي لبعض القصص، أو القصائد الشعرية التي يكتبها هؤلاء.(ص:197)

 

        تحظ كثير من الطالبات، ومتابعتهن في كل ما يتلفظن به في أثناء المحاضرات العلمية، والندوات العامة، والمؤتمرات، وتجوالاتهن في الممرات، وأحاديثهن التي يمكن أن تُسمع، ورَجعُ سؤال كثير منهن في أثناء المحاضرات، وزياراتهن العلمية لمكاتب أعضاء هيئة التدريس، والاستفسار عمّا كُنت قد قيدته في أوراق خاصة مما دوّنته في الاستبانات وغيره. (ص:199-200)

 

إن أي باحث، أو دارس لا يستطيع أن يتبّين، أو أن ينتهي إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة لهجة ينضوي تحت لوائها أبناء هذه الدولة، والقول نفسه بالنسبة إلى العربية الأخرى في الغالب، الإ في الألفاظ العربية الكثيرة الشيوع، والاستعمال هنا، وهناك، لا تركيبه مجتمع هذه اللهجة تفرض نفسها في هذه المسألة، ولا سيّما ما يطالعنا فيه من تعدّد القبائل العربية، واختلاط أبنائها، وتواصلهم بفئات هذا المجتمع أياً كانت عربية، أو غير عربية في داخل الدولة، خارجها، وهي مسألة لابُدّ من أن تخضع لقانون التأثر، والتأثير.( ص:201)

 

        إن ما في مجتمع هذه اللهجة من القبائل العربية الأصيلة تكفّل بالحفاظ على العربية، وإبقائها حية، لغة لأبنائها على الرغم مما يمكن أن يؤثر فيها من مؤثرات ثرة، ولا سيما الأباء والأجداد الذين يمكن أن توسم لهجتهم بالنقاء، وخلوها من كثير من الشوائب، وهي مسألة انتهيت إليها من خلال استقصاء فيض غزير من ألفاظها في فطان العربية الفصيحة.      (ص:201)

 

إن ما في هذا البحث من ألفاظ تدور في فلك هذه اللهجة، وغيرها لا يُعد كثير منهن كما مر شاملاً عاماً، إذ قد يكون بعضه خاصاً بإمارة، أو مدينة، أو قرية، أو حي، لأنه لا تتوافر لهجة واحدة يشيع استعمالها في جميع أرجاء الإمارات العربية، إذ استثنينا تلك الألفاظ الشائعة الاستعمال هنا، وهناك، شأنها في ذلك شأن أخواتها من لهجات دول  الخليج العربي، والبلدان العربية الأخُرى. (ص:202)

 

 

·   أجل (عَيٍلْ): قيل أن (أجل) بمعنى (نعم)، وذهب الأخفش إلى أنها أحسن استعمالاً من (نعم) في التصديق، وان (نعم) أحسن منها في الاستفهام، لأن (أجل) تصديق لخبر يخبرك به صاحبك، و (نعم) جواب لكلام المستفهم. (ص: 204)

 

·   بدع: تستعمل هذه اللفظة في هذه اللهجة للدلالة على البئر، والبديع في العربية، ماء عليه نخيل، وعيون جارية قرب وادي القرى. (ص:205)

 

·   متلوع: تطلق هذه اللفظة في هذه اللهجة على الطويل العنق، وهي في العربية كذلك، إذ قيل فيها، إن أكثر ما يُراد بالتلع طول العنق، أو انتصابه. (ص: 206)

 

·   دعن: (دَعِن) تطلق هذه اللفظة على الحزمة من جريد النخل الذي جُرّدَ من أوراقه، وتصنع منه البيوت، وهي العربية: سعف يضم بعضه إلى بعض يبسط عليه التمر. (ص 207)

 

·   رمس: وَرَمّس، مرمس، ورَمسة، وغيرها تدور هذه الألفاظ، وغيرها من الأصل نفسه في هذه اللهجة في فلك الكلام، والتكلم، كما في قولهم: فلان رَمَس فلان، ورْمس بي، وشوهالرمسة؟ وإلمن اكول، والمن ارمس، والرّمْسُ في العربية هو الصوت الخفي، والخبر المرموس المُكَتّم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المراجع

·   لهجة الإمارات العربية المتحدة وما يمكن أن توسم به دلالياً، الحموز، عبد الفتاح- بحث مقدم في المؤتمر السنوي الثاني (مناهج توثيق التراث الشعبي) إصدارات مركز زايد للتراث والتاريخ، ج2،ط1،2001، العين (6-28 مارس/ 2000م).

·   البحوث المقدمة في ندوة اللسانيات واللغة العربية، بوخارست، إصدارات جامعة بوخارست، مركز الدراسات العربية، ج2، 1996، (مطر، عبد العزيز: البحوث المعاصرة في اللهجة العربية).

·   دراسات في لهجات شرقي الجزيرة، ت.م.جونستون، ترجمة وتقديم وتعليق: د. الضبيّب، أحمد محمد، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ط2،1983م.

 

السادة الزوار الكرام

هذا الموقع قيد الانشاء، وسيضم مجموعة من الأبحاث في التراث وتاريخ الجزيرة العربية والخليج ,إضافة إلى مجموعة شعرية ورواية وعدة كتب حول أدب الرحلات مع مجموعة من الصور النادرة ،

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “لهجات القبائل في الجزيرة العربية”

  1. ممكن توضح جذور اللهجة الظفارية

  2. ممكن تفيدنا عن لهجات قبيلة الرولة



اكتب تعليــقك