انصاف الاستشراق
كتبهاamar alsanjari ، في 10 أغسطس 2006 الساعة: 07:41 ص
انصاف الاستشراق
عمار السنجري
إذا كان للبيئة الصحراوية في الإمارات، وما يستتبع هذه البيئة من فضاءات، وأجواء وعادات وتقاليد وثقافة خاصة بالمكان، فتساعد كثيراً على البحث، واستشعار لذة هذا البحث والذهاب عميقاً، وبعيداً، في جذور وجماليات البداوَة، ورصد تلك الجماليات في تتبع آثار شاعر نبطي خلّدها بشِعره، و رَسَم صورة (ناطقة) بالكلمات، البسيطة، العفوية، زمنٍ مضى ولن يعود، صورة بالأسود والأبيض، لزمن جميل بمعانيه ومعاناته.
فإن الدخول إلى عالم البَداوَة والبدو الذي شُغف به الكثير من المستشرقين، لم يقتصر على ذلك العالم التقليدي، الكلاسيكي، النمطي، المتعارف عليه، ومن خلال مساهمات تنوعت في هذا المجال تراوحت بين التاريخ الموثق المكتوب، والتاريخ الشفوي، والاثنولوجيا والانثروبولوجيا والدراسات المعمقة في ثقافة وتاريخ وجغرافية المكان، كانت تتفتح أمام المهتم، آفاق جديدة. و تتوالد أفكار للبحوث تدور في فلك الشغف الأول. بقى الأمر على هذا القدر من الاقتراب الحذر من عالم شُغفوا به كما شغف الكثير غيرهم من قبل إلى أن وصل الولع بهم إلى أدب الرحلة، ذلك العالم الذي فتح أمامنا المجال واسعاً على استعادة ذلك الزمن بكل زخمه وعنفوانه وألقِه إلى لا يخبو، أن (وَثّقوا) كل ما يمكن أن تقع عليه العين. وإذا كانت الصحراء تبدو لأول وَهَلة وليس بها إلا الفضاء والسكون، فما ذلك إلا لأنها لا تبدي حسنها كما يقول سانت اكسوبري إلا لمن يطيلون الإقامة بها. هذه الصحراء التي قال عنها اكسوبري نفسه ذلك الطيار الأديب الرحالة، لقد هُيّئ لي ذات يوم أن أمسّها بقلبي، وذلك من فرط هيامه بكل ما تعنيه وما شكلته الصحراء في مخيلة الغرب. ولكن على الرغم من الاكتشافات العديدة التي قامَ بها الرحالون الأنثروبولوجيون والدبلوماسيون في الجزيرة العربية و أطرافها، فقد بقي الاهتمام بعادات وتقاليد القبائل وخصائصها الحضارية بعيدة عن اهتمام أغلب أولئك الرحالة، وكل جل ما يوجهون إليه اهتمامهم هو نحو الصعوبات التي يمكن أن تقابلهم خلال سعيهم للوصول إلى أهدافهم الأساسية، مدفوعين بغرور متعال وأحكام مسبقة، يبعدانهم عن الواقع في اغلب الأحيان كما يبدو من تصفح ما تركوه من آثار سواءَ كانت بحوثاً، أو دراسات أو أدب رحلة، ولكن هذا لا يعني أن كل ما وَصلنا كان ملغوماً بالتحامل أو الحكم المسبق، بل أن بعضهم كتب يمتدح العَرَب أو على الأقل وَصفهم بأوصاف يمكن أن تصنف بأنها "حيادية" بصورة أو بأخرى.
ولعل من أشهر ما وَصلنا من تلك الآثار كتاب الحب لستاندال، حيث يدون فيه خواطره وتصوراته كما هو واضح من العنوان بكل ما يتعلق بموضوع الحب والعشق ومقارنة وجهة النظر الغربية، بما ينظر إليه الشرقي إلى هذا الإحساس الإنساني المشترك، فكتب يقول…
يجب البحث عن الحب النموذجي الحقيقي و موطنه، يجب البحث عنه تحت تلك الخيمة، الشديدة السواد للبدو من العرب. هناك كما في أماكن أخرى خلقت العزلة وجمال المناخ أشرف ما يخالج قلب الإنسان من عواطف، ولكي تجد تلك العزلة السعادة هي بحاجة إلى استلهامها بالدرجة نفسها التي تشعر بها. وحتى يظهر الحب على ما ينبغي أن يكون عليه داخل قلب الإنسان، يجب إقامة مساواة قدر الإمكان بين الحبيب وحبيبته، وهذه المساواة منعدمة في غربنا الكئيب. فكل امرأة مهجورة تفقد سعادتها أو شرفها. وتحت خيمة العربي لا يسمح "بخيانة الثقة" وإلا فهي جريمة يتبعها مباشرة الاحتقار أو الموت.
إن إعجاب ستاندال هذا، قد يكون من تأثير كتابات الشعراء والرحالة الغربيين الذين زاروا الشرق وكتبوا عنه، وبأسلوب يمكن تصنيفه بالموضوعية يصف ديودور سيسيل العرب لقارئِه الغربي فيذكر أنه ..
من غير المجدي أن نحكي عن عادات هؤلاء العرب لمن يجهلهم، تلك العادات التي استطاعوا بفضلها على ما يبدو أن يحافظوا على حريتهم، فهم يعيشون في الهواء الطلق ويسمون وطناً تلك المنطقة الخالية من السكان، والتي هي بدون أنهار ولا عيون وافرة قد ترتوي منها جيوش معادِيَة. تمنعهم عاداتهم من الزراعة، وغرس أشجار الفواكه، وشرب الخمر، وبناء البيوت، ومن حَدَّثته نفسه بسلوك طريق غير هذا فمصيره الموت. وقد اعتاد الكثير منهم أن ينقل إلى حدود البحر البخور والمر المكاوي وأغلى العطور التي يدعها بين أيديهم، أولئك الذين يرسلونها انطلاقاً مما يسمى بالجزيرة العربية السعيدة. إنهم مولعون بالحرية، وعندما تهاجمهم جَماعة أقوى منهم فإنهم يتوغلون في الصحراء التي يعتبرونها قلعة لهم.
على أن كتاب الرحلات كانوا يستخدمون العَرَب بمثابة رموز أحياناً تعبّر عن ميول كل منهم، فإذا كان الكاتب يريد الصفاء العرقي فالعرب هم أصحابه، وإذا كان معجباً بالفروسية فالعرب هم أهلها، أما إذا كان لا يطيق الأديان الأخرى فالعرب مم أولوا العصبية الذين يجسدون في رأي كاتب مثل داوتي على سبيل المثال، شرور الهرطقة الدينية. ولماّ كان التقشف هو محل إعجاب الإنجليز وتقديرهم فانهم كانوا يرَون في البدو رموزاً للصفاء الخلقي والزهد ونكران الذات، وينادون بضرورة صون هذه الرموز والإبقاء عليها في ظروفها الأصلية دونما تغيير لأن المسّ بهذه الظروف معناه تعريض الرمز نفسه للخطر، خطر التغيير، وهو خطر يخشى الإنجليز بوجه خاص من وقوعه وقد عبّر أغلب رحالتهم عنه وقد أسهب (ثيسغر) في الحديث عنه، ونجد العديد من عبارات الإشفاق والخوف من هذا التغيير بين ثنايا كتابه (الرمال العربية). إن رؤية (ثيسغر) هذه هي في الحقيقة الرؤية الأوربية الكلاسيكية، إذ أن الرحال الغربي الذي يأتي من وسط مريح ويعرف أنه عائد إليه بعد فترة وجيزة يملك بلا شك تَرَف المناداة بالحفاظ على القديم. فالعربي ينبغي أن يبقى حسب نظرتهم هذه هو ذلك "المتوحش النبيل" الذي له سحره في بيئته الأصلية. أنه الواقف في مكانه بينما العالم من حوله يتحرك أو هكذا يفترض أن يكون ويبقى.
على أن هناك عقولاً أوربية استطاعت أن تكتشف الروابط الإنسانية المشتركة بين الشرق والغرب، ورغم انه كان لدى الغرب تصميم على تسجيل جميع سمات الشرق بهدف تسهيل مشاريعه الاستعمارية، كان لدى بعض الأفراد في الوقت ذاته اهتمام أصيل ونزيه بحقيقة الشرق كما تبّدت لهم. من هؤلاء كان بلانت Blunt الذي دافع بقوة عن حقوق الشرق حيال أمته هو. كما كان هناك العديد من الرسامين مثل فرومنتان Fromentin و رينوار Renoir وماتيس Matiss الذين أبهجهم الشرق فازدادوا ثراءً فنياً. ومما لا شك فيه انه ليس كل ما صُوَّرَ به الشرق كان يتوخى الأذى والتجني المحض.
لقد كُتِبَ الشيء الكثير في الحقيقة عن الشرق من قِبَل الغرب. ومن الصعب الإحاطة بكل ما كتب في الموضوع، وبالأخص أن معالجة أية نقطة لابد من أن تجر الباحث إلى نقاط و موضوعات أخرى متنوعة ومتشعبة، قد لا تخطر للباحث على بال. ومن الغريب أن نجد أن القاعدة العامة التي سيطرت على تطور الاستشراق، كدراسة أكاديمية، كانت هي اتساع مجاله باستمرار واطراد، وليست قدرته على الاختيار والانتقاء، كما هو الحال بالنسبة لفروع المعرفة الأخرى، التي تميل بمرور الزمن إلى زيادة التخصص الدقيق. فبينما تحاول العلوم والدراسات الأخرى، حين يتسع مجالها، إلى أن تفصل عنها الفروع التي تمت وتطورت واتسعت، بحيث تؤلف علوماً مستقلة، لها كيانها وموضوعها المتمايز، فإن الاستشراق كان يميل إلى أن يستوعب جميع أنواع المعارف والتخصصات، ما دامت تعالج موضوعات ذات صلة بتلك المنطقة الجغرافية الواسعة، بصرف النظر عما يقوم بينها من اختلاف وتباين.
وإذا كان مسوغاً لنا أن نكشف الجوانب السلبية لدراسات الشرق المعاصر في الغرب، فليس من العلمية في شيء أن ننكر كل فائدة لها. ولكي نكون دَقيقين عند النظر للمسألة علينا أن نميّز بين الأيديولوجيين والصحفيين، ومَن يُسَمَّون "خبراء الشرق الأوسط" من جهة، والباحثين الجادين الآخرين من جهة ثانية. ذلك أن "بحوث" الفئات الأولى، في أغلبها، ضارة، أو هي في أحسن الأحوال بغير قيمة علمية. بينما تتماسك دراسات الفئة الثانية وتظل على أي حال قابلة للنقد والأخذ والرد، حتى عندما تكون في صورتها العامة متسمة بطابع عدائي تجاه شعوب المنطقة. إننا نستطيع التعلم من العدو والعالِم أكثر من مما نستطيع ذلك من الصديق الجاهل. ولنوجز هنا الموقف. فنقول أن نقد الاستشراق هو أمر مطلوب و مُسَوّغ. لكن التعميم فيه غير مُسَوّغ وغير علمي. فحقيقة أن هناك مستشرقين خدموا الإمبريالية لا تعني أن المستشرقين جميعاً عملاء كما لا تعني أن الاستشراق هو شر كله.
وينبغي أن نزيح عن كاهلنا مقولة أن (المستشرقين هم مبشرين مستترين) بنفس الوقت الذي نأخذ منهم علميتهم وجديتهم و دأبهم في نقد ما يقدمون من دراسات، ذلك أن العلم هو طريقة في التفكير، و رؤية للعالم، و موقف نقدي باحث. و هو ليس سلعة "غربية" يمكن استيرادها أو عدم استيرادها. ذلك أن الحقيقة بلا شك هي ظاهرة عالمية، والعلم حقيقة لا يملكها أو يحتكرها أحد لا الغرب ولا الشرق. كما لا ينبغي ألا تغيب عنا حقيقة أن حركة الاستشراق التي امتدت خلال قرون لم تترك موضعاً في نواحي الثقافة الإسلامية والعربية إلاّ وطرقته، وذلك بأساليب ومناهج تتراوَح بين الإيجابية والسلبية، والجد والهزل، والحقد والتعاطف، والتوجّه العلمي والتوجه اللاّسوي.
ورغم أن الاستشراق أدى إلى اتساع رؤية الغرب الثقافية للعرب والمسلمين و دورهم الحضاري، بعد أن كان يدور في الحلقة اللاهوتية، إلاّ أن هذا الدور لم يُؤَدّ بشكلٍ كافٍ إلى الآن ولا بد من متابعته، وذلك لتصحيح الأخطاء التي ارُتكبت في العصور الماضية، وهذا لا يمنعنا من الاعتراف بإيجابيات الحركة الاستشراقية، ومن أهمها القيام بتعريف الغرب بالتراث العربي الإسلامي والتنقيب بالتراث ومحاوَلة تقويمه، ثم المنهج النقدي للبحث فيه.
إن الاستشراق قد حقق الكثير من الإنجازات حتى برأي إدوارد سعيد الذي قَدَّم رؤية نقدية بانورامية لم يرضَ عنها أغلب المستشرقين، فخلال عصره العظيم في القرن التاسع عشر أنتج باحثين، و زادَ عدد اللغات التي تُدّرس في الغرب، وكمية المخطوطات المحققة، والمترجمة، والمعلق عليها، وفي كثير من الحالات، وَفّر الاستشراق للشرق طلاباً أوربيين متعاطفين معه ذوي اهتمام أصيل بقضايا كثيرة كالنحو، والشعر العربي الفصيح منه والنبطي، وما اصطلح عليه بفقه اللغة Philology، والمعجماتية، والتاريخ، وعلم الأحياء، والنظريات السياسية والاقتصادية، وكتابة الرواية، افتَرَض التراث الاستشراقي أنها معرفة لا سياسية أي بحثية، جامعية، متجردة، تسمو فوق التحزبية أو الإيمان المذهبي ذي الأفق الضيق، وقد سعى إليها بالفعل، ولكن لا يمكن أن نقول أن تلك الدراسات والبحوث هي لوجه البحث العلمي مائة بالمائة وفي جميع الأحوال والظروف التي ظهرت فيها.
قَدَّم المستشرقون في الحقيقة خدمات جليلة وهامة في مجال الحفاظ على المخطوطات العربية وفهرستها، والاعتناء بها من الضياع والتلف وتعدى ذلك إلى تحقيق الكثير منها ونشرها وكتبوا الكثير من البحوث والدراسات القيمة من خلال تحقيقها تحقيقاً علمياً، وترجموا مئات الكتب العربية والإسلامية كنتاج لهذا التحقيق. ولو قارنا ما يجري به هؤلاء المستشرقون وبين ما قمنا به، نحن، بل و أننا وبحكم أنها نتاج إبداعنا كعرب ومسلمين لم نقم – ولنعترف بصراحة وتجرد- بجهد يذكر للحفاظ على هذه الكنوز العلمية وما تحتويه من مآثر قيمّة أدبية وعليمة وثقافية.
وإذا جئنا إلى مؤلفات الدراسات اللغوية حول العربية وآدابها مع اللهجات العامية نجد أن المستشرقين الفرنسيين الأكثر اهتماماً – مع المستشرقين الألمان- في هذا المضمار، ولهم آثار كثيرة في هذا المجال، مجال اللغة العربية، ودراسة نحوها القديم والحديث، ودراسة لهجاتها الحديثة في مختلف أنحاء الوطن العربي، ووضع الخرائط أو الأطالس اللغوية، و دراسة أصوات العربية وتطور الدلالة فيها، ودراسة البنية اللغوية العربية على وجه العموم. ولعل من أبرز هذه الدراسات على سبيل المثال، ما نشره (ديلابورت) في الجزائر سنة 1836، كتاباً بعنوان: " بحوث في اللغة العربية " ونشر رينان كتابه المشهور:" تاريخ اللغات السامية " في جزئين، في سنتي 1853 أو 1862، ويتناول فيه اللغة العربية تناول مقارنة.
وفي مجال اللهجات العامية، نشر بارتيملي سنة 1905 رسالة في لغة حلب العامية، وفي سنة 1906 نشر نبذه عن لهجة القدس. وأصدر كانتينو، ويُعد من أبرز دارسي اللهجات العربية من المستعربين في النصف الأول من القرن العشرين، ويُعد رائداً في (الجغرافية اللغوية العربية وأطالسها): "لهجة عرب تدمر"، في جزئين صدَرَا ضمن منشورات المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، بيروت، سنة 1934م. كما نشر أيضاً كتاباً بعنوان: "بعض لهجات بدو العرب في الشرق" ، ضمن منشورات كلية الآداب بالجزائر سنتي 1936-1937. ونشر أيضاً كتاباً بعنوان: "اللهجات العربية في حوران" (مع ملحق بخرائط جغرافية للمناطق المدروسة)، ضمن منشورات الجمعية اللغوية بباريس سنتي 1940م، 1946. ولا ننسى جهود المستشرق جونستون في هذا المجال. ومن المستشرقين الذين أسهموا إسهاماً رائداً في مجال الدراسات الأدبية واللغوية والمعجمية العربية، ولهم بصماتهم الكبيرة والمرجعية في هذا الجانب، المستشرق الألماني (كارل بروكلمان)، والمستشرق الإنجليزي (هاملتون جب) الذي نال شهرة واسعة في عصره يختلف البعض في تقييمها. ويجب آلا ننسى مستشرقون كبار كانت لهم أدوار بارزة في اللغة العربية وآدابها، وأسهموا إسهاماً كبيراً من أمثال المستشرق الفرنسي (دي ساسي)، والبريطاني (دافيد مرغليوث) والهولندي (توماس فان آربن) والألماني (أدولف فردريش).
كما جاءت الدراسات التاريخية التي قام بها المستشرقين للعرب وأحوالهم وأنماط معيشتهم بعد دراسة اللغة العربية وآدابها، كانت مدار اهتمامهم الكبير لكشف تاريخ العرب وحضارتهم قبل الإسلام وبعده. وتعتبر الدراسات التاريخية والبحثية في التاريخ العربي اكثر الدراسات شمولاً وعمقاً في كتابة هؤلاء. فمن كتابات المستشرقين وأبحاثهم عن العرب قبل الإسلام تؤكد أن العرب في جاهليتهم عرفوا أنظمة سياسية عديدة، قد لا تتطابق مع النظم السياسية المعاصرة، ولكنها بمقاييس تلك المرحلة، وقد كشف المستشرقون في أبحاثهم التاريخية عن جذور هذه النظم التي تمتد بعيداً في التاريخ، حيث عرف جنوب وشمال الجزيرة العربية حياة الاستقرار والثبات نتيجة لعوامل تاريخية ومناخية وطبيعية، وكانت حصيلة هذا الاستقرار أسبقية مدنية وحضارية عريقة، تخطت معالمها الكثير من المناطق في العالم آنذاك، فقد ازدهرت وتقدمت تاريخياً بصورة رائدة. وكشفهم الكثير من الدلائل التي تثبت إقامة مثل هذه الدول والنظم منها النقوش التي عثروا عليها، والتي نقشت على ألواح معدنية أو حجرية، ومن الدول التي ازدهرت في الجزيرة العربية وهي الأسبق في النشأة فقد كانت الدولة المعينية، والدولة السبئية، والدولة الحميرية الأولى والدولة الحميرية الثانية، أما في الشمال فقد كانت هناك دولة الأنباط، ومملكة تدمر، والغساسنة واللخميون.
وعلى الرغم من أن بعض الأيديولوجيين من المؤرخين والمستشرقين الغربيين قالوا إن العقلية الشرقية لا تنجز حضارة ولا تنتج إبداعاً، وهذه النظرية العرقية في تصنيف الشعوب ثبت زيفها ومركزيتها العرقية العنصرية للشعوب والحضارات الأخرى، من خلال الاكتشافات والدراسات العلمية للغربيين أنفسهم.
ولا شك أن عدداً كبيراً من الرحالة الأوربيين قد أسهموا إسهاماً إيجابياً بتقديم معلومات مفيدة ومعرفة بالشعوب غير الأوربية لم تكن متوفرة من قبل، ومن تلك الإسهامات، الكشف عن آثار الحضارة العربية القديمة في جنوبي الجزيرة العربية، والوصول إلى جل رموز الأبجدية الحميرية (خط المسند) حلاً أضاف معلومات جديدة عن حلقة كانت مجهولة لدى العرب أنفسهم من تاريخ ذلك الجزء من بلادهم، فبرزت بفضل قراءة المسند في آثاره من سدود، ودول تعاقبت الحكم فيه كالدولة المعينية والسبئية والقتبانية والحميرية.
وأياً كانت دوافع الرحالة، المعلنة منها والخفية، فقد اتصف أغلبية الرحالة ولو بدرجات متفاوتة، بدقة الملاحظة والوصف والتقصي في تسجيل مشاهداتهم بأمانة وصدق، كما حرص معظمهم على التفرقة بين المشاهدة والرواية على تسجيل معلوماتهم. هذه كلها سمات قد أصبحت الآن بمثابة قواعد أساسية من منهجية البحث الحقلي في الدراسات الاثنوغرافية بالمعنى الحديث.
للمزيد من الاطلاع يمكن الرجوع إلى ….
§ عربي، هل قلت عربي. محمد قاسمي و شانتال داغرون، أفريقيا الشرق، ترجمة: فقيهي الصحراوي، تقديم ومراجعة: عمر أوكان، الطبعة الأولى، الرباط، 1998م.
§ أرض البشر، أنطوان سانت اكسوبري، تعريب: مصطفى كامل فودة، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، طبعة خاصة، 2001م.
§ أساطير أوربا عن الشرق، لفّق تَسُد، رنا قباني، ترجمة: د. صباح قباني، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط3، 1993م.
§ الاستشراق، إدوارد سعيد، نقله إلى العربية: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة العربية الخامسة، بيروت، 2001م.
§ صورة الشرق في عيون الغرب، إبراهيم الحيدري، دار الساقي، ط1، بيروت، 1996م.
§ أدب الرحلات، د. حسين محمد فهيم، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 138، يونيو 1989م.
§ في نقد المستشرقين، فرانسوا دي بلوا، الفكر العربي، العدد رقم 32، أبريل – يونيو 1983، السنة الخامسة، عدد خاص عن (الاستشراق: التاريخ والمنهج والصورة) ص 148،146.
§ الاستشراق بين الإنصاف والإجحاف، عبد الله على العليان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2003م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بحوث | السمات:بحوث
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















