Yahoo!

فلسفة انسلب القبائل وتحالفاتها

كتبهاamar alsanjari ، في 10 أغسطس 2006 الساعة: 08:19 ص

 

 

فلسفة أنساب القبائل العربية وتحالفاتها

 

عمار السنجري

 

للنسب عند العَرب قديماً – وبرأينا حتى اليوم- شأن كبير، ولا يزال العربي يقيم له وَزناً، ولا سيما عربي البادية. فعلى نسب المرء قديماً في البادية تقوم حقوق الإنسان، بل حياته في الغالب – فنسب الإنسان كانَ هو الذي يحميه، وهو الذي يحافظ على حقوقه ويردع الظالم عنه ويأخذ حق المظلوم منه.

وقد يبدو ذلك للمدَني الأعجمي (والأعاجم المقصود بهم كل مَنْ اختلَفَ لسانه عن العربية) أمراً شاذاً غير مألوف. ولكن هذا المدني نفسه يعمل النسب ويأخذ به، وإن كانَ في حدود ضيقة كالزواج والميراث وما إلى ذلك. فجنسيته هي نسبه، تحميه وتحفظ حقوقه. وليس نسب الأعرابي قديماً غير هذِه الجنسية- في مجتمع شفاهي لم يعرف عادة التدوين والمدونات والوَثائق وليسَ لديه دوائر يمكن أن تصدر مثل هذه الوثائق- يحتمي به، لأنه يصونه ويحفظ حقوقه ويُدافع عنه. وهو مضطر إلى حفظه، والى عَدّ آبائه وأجداده وذكر عشيرته وقبيلته، لأنه بذلك يسلم، ويحافظ على حياته. فإن أراد شخص الاعتداء عليه، عَرَف أن وراءه قوماً، يدافعون عنه ويأخذون بحقه من المعتدي عليه. وهو لذلك مضطر إلى حفظ نسبه والمحافظة عليه.

وأما كون الحضر أقل عناية بأنسابهم من أهل الوبر، فلأن الحاجة إلى النسب عندهم أقل من حاجة أهل الوبر إليها. فالأمن مستقر، ولدى الحضر في الغالب حكومات تأخذ بحق المعتدي عليهم من المعتدين. ثم أن مجال الاختلاط والامتزاج عندهم أكثر و أوسع من أهل البوادي وسكان الأرياف، وكلما كانت الحواضر قريبة من السواحل ومن بلاد الأعاجم (و الأعاجم كما أسلفنا هي كل الأمم والأقوام الأخرى)، وكان الاختلاط أوسع وأكثر، ولهذا ضعفت فيها وشائج الدم والنسب، حسب جواد علي نقلاً من هاستنغز Hastings، وكثر فيها التزاوج والتصاهر بين العرب، والعجم، فصعب على الناس فيها المحافظة على أنسابهم، وقلت الفائدة من النسب عندهم. ولهذا لم يعتنوا بِهِ عنايَة الأعراب بالأنساب. (1)

        فالانتماء قديماً الى عشيرة أو قبيلة أو حلف قبلي، هو حمايَة للمرء وهذه هي دوافع وفلسفة عقد التحالفات القبلية والى عهد قريب من تاريخ الجزيرة والخليج، عدا بالطبع الدوافع السياسية وتأثيرات التواجد الأجنبي وتدخلاته بين القبائل لمصلحته.

فهذا الانتماء في عرف اليوم هو نوع من الجنسية أو نوع من – المواطنة القبلية – إن صح التعبير قبل استقرار ونشوء الدول المركزية وظهور مؤسساتها.

        ولهذا فمن غير المستغرب إن صارَ إخلاص الأعرابي لقبيلته أمراً لازِماً له محتماً عليه، وعليه أن يدافع عن قبيلته دفاع الحضري عن وطنه. فالقبيلة هي قومية الأعرابي، وحياته منوطة بحياة تلك القبيلة. ولهذا كانت قومية أهل الوبر قومية ضيقة، لا تتعدى حدودها حدود القبيلة وحدود مصالحها وما يتفق أهل الحل والعقد فيها عليه. ومن هنا صارَت القبائل كُتَلاً سياسية، كل كتلة وحدة مستقلة، لا تربط بينهما إلا روابط المصلحة والفائِدَة والقوة والضعف والنسب. والعادة انتساب كل قبيلة إلى جد تنتمي إليه، وتدعي أنها من صلبه، وإن دماءه تجري في عروق القبيلة، وتتباهى به وتتفاخر، فهو بطلها و رمزها، وعلاقتها الفارقة التي تميزها عن القبائل الأخرى.

وليس ذلك بدعاً في العرَب، بل إنّا لنجد الأمم والشعوب الأخرى تَنتمي إلى أجداد وآباء. وكان للرومان والفرس وللهنود وللأوربيين أجداد انتموا إليهم واحتموا بهم وتعصبوا لهم ونسبوا أنفسهم إليهم على نحو ما نجده عند العَرب والإسرائيليين وبقية الساميين.

ويشير الدكتور جواد علي إلى أن التوراة ولاسيما (أسفار التكوين) منه، أبرز أمثلة على النسب، فنجد فيها أنساب الأنبياء والشعوب، وأنساب بني إسرائيل. يسبق النسب في العادة جملة: (وهذه مواليد) و (إله تولدت)، ثم يَرد بعدها النسب. أي أسماء مَن يراد ذكر نسبهم. قد يذكر نسب الأب والزوجة والولد، وقد لا تُذكر الزوجَة. بل يكتفي بالأب وأولاده. وقد لا يذكر الوَلد.

وهذا ما ينفي برأينا تهمة تعصب العَرب لأنسابهم، وقد (2) أفادتنا الكتابات بالجاهلية فائدة كبيرة من ناجية دراسة أسماء القبائل الواردة في كتب النسب والموارد الإسلامية الأخُرى، إذ مكنتنا من الوقوف على الصلات بينها، وعلى معرفة ما سمي منها بالأب أم الأم، كما عَرّفتنا على مواطن عَديدة الخطأ التي وقع فيها النسابون وأصحاب الأخبار، وعلى كثير من الوَضع الذي وضع في النسب أو القصص المروي عن القبائل جهلاً أو عَمْداً أو ظهوراً بمظهر العلم والإحاطة بأنساب العَرب وأخبارهم، الجاهليين منهم والإسلاميين.

 

وقد خصص (ابن النديم) في كتابه (الفهرست) فصلاً بـ (أخبار الإخباريين والنسابين وأصحاب الأحداث)، ذكر فيه أسماء بعض من عُرف واشتهر بحفظه للأنساب، ولاسيما مَن ألّف فيهم تأليفاً في النسب. وقد طُبعت بعض مؤلفات المذكورين، وهي متداوَلة بين الناس. و الذين ذكرهم ابن النديم هم من اشتهر وعرف وذاع خبره في العراق وفي البيئة التي اتصل بها ابن النديم، وهم من أهل الحواضر في الغالب، إلا أن بين أهل البوادي والأماكن القصية النائية المنعزلة جماعة كانت قد تخصصت بالنسب، انحصرت شهرتها في البيئة التي عاشت فيها، ولهذا لم يصل خبرهم إليه وإلينا، وكثير منهم لم يؤلف في النسب تأليفاً، وإنما حفظه حفظاً فهم يعيشون في بيئة شفاهية لم تعرف التدوين كما في الحواضر، شأنهم في ذلك شأن النسابين الجاهليين، أو الذين أدركوا الإسلام.

إننا لو نظرنا إلى الأسباب الحقيقية، والموضوعية التي دَعت العَربي – البَدَوي، وحتى الحضري أو القروي للمحافظة على نسبه، قبل أن تتطور الأمور فيما بعد إلى التفاخر و التنابز بالألقاب والهجاء المقذع المتبادل بين شعراء القبائِل كما هو معروف، وصولاً إلى العصبية المقيتة التي نهى عنها الإسلام، بل وتطور الأمر إلى تسجيل الأنساب(3)، ولم يقتصر التسجيل المذكور على تسجيل نسب القبائل وَحدها، بل شمل ذلك نسب أهل القرى أيضاً، كنسب أهل مكة والمدينة والطائف وغيرها. ذلك لأن سكانها وإن كانوا من أصحاب المدر، وقد أقاموا واستقروا في بيوت ثابتة، الإ انهم كانوا كالأعراب من حيث الانتساب إلى الآباء والأجداد، فإنهم كانوا لا يختلفون عن أهل الوبر في التعلق بالأنساب وفي حفظها، لأن حياتهم الاجتماعية وإن كانت في قرية، إلا أن غريزة المحافظة على النفس والدفاع عن الحقوق حملتهم مثل الأعراب على التمسك بالعصبية، بعصبية النسب، ليتمكنوا من المحافظة على الأمن والسلامة والمال، لعدم وجود حكومة قوية تقوم إذ ذاك بتأمين هذه الواجبات. ثم إن هذه الأماكن كانت محاطة بالأعراب، وبين أهل مكة مَن كانَ شبه حضري، وبيئة مثل هذه لابد لها من الاحتماء بما أسماه جواد علي بـ (عصبية النسب)، وبالتزاوج مع الأعراب، لتكوين رابطة دَموية، تؤدي بدورها إلى عصبية تضطر الطرفين إلى الدفاع عن مصالحها المشتركة وتكوين كتلة واحِدة تستجيب للنخوة ولنداء الاستغاثة في ساعة الحاجة والضرورة. ولهذا كان للتزاوج عند العرب أهمية كبيرة في السياسة.

 

والقرآن الكريم فيه آيات تشير إلى عناية القوم بأحسابهم وأنسابهم، ولكنه لم يتعرض لبيان وجهة نظرهم بالنسبة إليها، ولا يشعر في موضع ما منه بوجود تلك الفكرة – العصبية – التي ألحّ على وجودها أهل الأخبار. وقد كانَ بعض النسابين قد تخصص بنسب جَماعَة من العَرب، جماعة قومه ومن يرتبط بهم في الغالب، مثل (الزبير بن بكار) صاحب كتاب (نسب قريش وأخبارها)، ومثل (عقيل بن أبي طالب)، وكان قد تخصص بنسب قريش، ومثل (أبي الكناس الكندي) وكان أعلم الناس بنسب كندة، ومثل (النجار بن اوس العدواني) وكان أحفظ الناس لنسب معد ابن عدنان، ومثل (عدي بن رثاث الايادي)  وكان عالِماً باياد، ومثل (خراش بن إسماعيل العجلي)، وكانَ عالماً بنسب رَبيعة. والواقدي أبي عبد الله محمد بن عمر المتوفى سنة 7 هـ) صاحب (تصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها)، وعن هؤلاء وأمثالهم أخذ أهل الأنساب علمهم بالأنساب، ووضعوا كتباً في نسب القبائل أو في أنساب العَرَب، أو في أنساب جماعة منهم .

وكان للمستشرقين دور في البحث في موضوع الأنساب، ومنهم المستشرق دوزي Dozy الذي ذهب إلى وجود فروق أساسية بين القحطانيين والعدنانيين، أي العرب العاربة والعرب المستعربة، حتى ذَهب إلى وجود اختلاف بين نفسية كل جماعة من الجماعتين.   

        ولعل من أهم المستشرقين المهتمين بهذا الموضوع، فهو المستشرق الألماني كاسكل Herner Caskel (1970-1896) وقد تأثر كاسكل في دراساته العربية بأستاذه أوغست منشر، فعني بالفيلولوجيا العربية والشعر الجاهلي، وكان حائزاً على درجتي دكتوراه، الأولى كانت بعنوان: "القَدَر في الشعر العربي القديم" . أما رسالته الثانية، دكتوراه التأهيل للتدريس في الجامعة، فكانت بعنوان: " أيام العرب" وفيها دراسة لأمراء العرب في الجاهلية وأبطالهم، وللملاحم العربية الجاهلية، وقد جمع لهذه الرسالة مواد وفيرة عن مواطن القبائل العربية قبل الإسلام وبعده. لكن العمل العظيم الذي قام به كاسكل وهو دراسته القيمة لكتاب "جمهرة الأنساب" لابن الكلبي، و يقع في مجلدين ضخمين، و يحتوي على لوحات أنساب صارَت المعتمد الأساسي في كل ما يتعلق بأنساب العرب في الجاهلية وقد صدر الإسلام، وعدد هذه اللوحات 334 لوحة زودّها بشروح مستفيضة، وبفهرس جامع للأشخاص. وقد جَمَعَ مواد هذه الشروح – وتقع في حوالي خمسة وثلاثين ألف مادة – من كتب الأنساب والشعر العربي القديم والنقوش.

        ويُرجع بعض الباحثين انقسام العرب إلى قحطانيين وعَدنانيين إلى نزاع (يثرب) ومكة قبل الإسلام، ويرجعه آخرون إلى التنازع الطبيعي الذي هو بين البداوَة والحضارة. فقد كان أهل يثرب أي اليمن كما يقولون أصحاب حضارة وملك. أما أهل مكة ومَن والاهم، فقد كانوا أعراباً أو شبه أعراب. ومن هنا اختلفت طبيعة أهل يثرب عن طبيعة أهل مكة، ووقع النزاع والتنافس بين الجماعتين، وتحّول إلى نَسَبين. و زَعموا أن هذا النزاع هو نزاع الحضارة مع البداوَة، نزاع أهل المدر مع أهل الوبر، والحاضر خلاف البادي (من البداوَة)، وأهل الحاضر، وأهل البادية، والحاضرة، خلاف البادية وهي المدن والقرى والريف، وهو تقسيم يَرونه، قديماً، يرجع إلى الجاهلية.

ونجد هذا التقسيم في النصوص اليمانية الجاهلية، إذ أشارت إلى الأعراب كطبقة خاصة قائِمةَ بنفسها، تمتاز عن الحضر المستقرين.

ومن ثم كانت غالبية القبائل العدنانية التي يذكرها أهل الأخبار أسماءها قبائل أعرابية، أي قبائل بَدَوية – حسب هذه الفرضية – أو قبائل غلبت عليها البداوة، وغالبية القحطانية قبائل مستقرة أو قبائل شبه حاضرة استقرت في أماكن ثابتة ومالت إلى حياة الحضارة. ولما كان الحضر أرقى فكرياً من أهل الوبر، صارت إليهم السيادة في الغالب، فتحكموا في القبائل العَدنانية، وملكوا القبائل المعدية فحكم المناذرة والغساسنة وآل كندة وغيرهم ممن يُرجع نسبه النسابون إلى قحطان، قبائل عدنانية، ولم يحكم العدنانيون القحطانيين قبل الإسلام.

ويرى د. جواد علي أنه للحكم على هذه النظرية، يجب تكوين جدول بأسماء القبائل الجاهلية العدنانية منها والقحطانية، ودراسة أحوالها الاجتماعية والمواضع التي عاشت فيها في مختلف الأزمنة، وعند ذلك، كما يؤكد د. جواد علي، نستطيع الحكم على ما فيها من قوة أو ضعف، فإن في القحطانيين قبائل متبدية، وفي العدنانيين قبائل مستوطنة وأصحاب قرى. وخلص إلى أن مثل هذه النظرية لن تصدق الإّ بمثل هذه الدراسة.

وحتى لو طبقنا علم الاثنولوجيا والانثروبولوجيا على هذا التقسيم الثنائي للعَرب (قحطاني – عدناني)، فسنجد بلا شك حيرة وتيهاً، فلا مجال لقواعد هذه العلوم في هذا المكان. فبين القبائل التي تنتمي إلى (قحطان) مثلاً تباين كبير في الملامح وفي العقلية وفي اللغة، ويجعل ذلك من غير الممكن تصوّر وجود وَحدة دموية تجمع شمل هذهِ القبائل (جَد أعلى تنتمي إليه وتدعي أنها انحدرت منه) جَد واحد انحدر من صلبه هؤلاء، وبين القبائل العدنانية اختلاف كذلك في الملامح وفي اللغة، يضطرنا إلى القول بفساد نظرية النسابين في أصل هذه القبائل. ولابد لنا من اعتبار هذا النسب في أساسِه رَمزاً أُخذ من صراع قديم، أو من أحلاف قديمة، فصُيّر جَدّين لجماعتين، وهذا هو التفسير الذي نراه مقنعاً، وتحالفات القبائل قديماً، وفي منطقة الجزيرة والخليج كانت معروفة إلى عهد قريب، إلى حدود نهايات الستينات، إذا علمنا أن بني ياس هو حلف قبائل، والقواسم هو حلف قبائل أو تحالف قبلي بعبارة أصح.

والصحيح أننا إذا أخذنا بالملامح وبالأمور الأخرى (اثنولوجية وانثروبولوجية وعلم الأجناس والسلالات)، خلصنا إلى نتيجة تقول لنا أن الفروق بين القحطانيين والعَدنانيين هي أقل جداً من الفروق التي نَراها بين القحطانيين الشماليين والقحطانيين الجنوبيين. وهي نتيجة ليست في مصلحة أهل الأنساب بالطبع، تبين لنا أن قضية قحطان وعدنان قضية اعتبارية لا غير.

ولعل حلف بني ياس يعد من أقوى التحالفات التي قامت بين قبائل عُمان المتصالحة كما يذكر لوريمر، وأكثرها تراصاً. يغطي انتشارها المساحة نفسها تقريباً التي تمتد عليها أراضي شيخ أبوظبي الذي يشكله بنو ياس أساس قوته. ويقدم لوريمر دراسة مجدولة، عن تركيبة القبيلة، فيذكر عدد منازل كل قبيلة وأماكن تواجدها وما يملكه كل فخذ من أشجار النخيل، وإذا ما كان لديهم قوارب للغوص على اللؤلؤ خاصة بهم، وعدد الجمال، وأماكن استيطانهم، وعدد الماعز والجياد لديهم.

أما القبائل التي شكلت هذا الحلف حسب لوريمر فهي: آل فلاح، ويعرف أحد بطونهم الصغيرة بآل سعدون. آل بو فلاح، ويعرف آل بوفلاح أيضاً بآل نهيان، وهم الفخذ الذي ينتمي إليه شيخ أبوظبي شخصياً (الفرد منهم فلاحي). آل بوفلاسة وهم شيوخ وحكام دبي (والفرد منهم فلاسي). آل بو حمير(والفرد منهم حميري). الهوامل؛ ويسكنون في أبوظبي وفي الجوار بليوة في هادي، وشاه، وسبخة الثروانية، والوهيدة، والوزيل (والفرد منهم هاملي). المحاربة، يقيمون في مدينة أبوظبي والجوار بليوة في الظفير، والمزيرعة، وقرميدة، وسالمي، وطَرَق. (الفرد منهم محيربي). المزاريع، ويقيمون في أبوظبي وفي الجوار بليوة، في عايية، الحويلة، وخنور، وليدامة، ولطير الثانية، والمارية، وسهيل، القنيصات، ويقيمون في لطير الأولى (والفرد منهم قنيصي). القصل ويقيمون بليوة في شاه. القبيسات ويقيمون في مدينة أبوظبي، وليوة في عتّاب، والظويهر، المارية، المزيرعة، وقرميدة، والقطوف، وشدق الكلب، وييف، وعلى جزيرة دلما وفي الوكرة بقطر. القمزان، سكنوا في مدينة أبوظبي وفي البلاد المجاورة لها، ولاسيما في جوار الركنة (والفرد منهم قمزي). الرميثات، سكنوا في مدينة أبوظبي وفي البلاد المجاورة لها، ولاسيما حول السميح (والفرد منهم ارميثي Armaithi). السبائس، وسكنوا في مدينة دبي (والفرد منهم سبوسي). بنو شكر، وسكنوا بليوة في موقَة (الفرد منهم شكري). آل سلطان، وسكنوا بليوة، في كية Kaiyih، وقرميدة، وشدق الكلب (الفرد منهم سلطاني). ويضيف لوريمر، أن آل بو عميم المنتمين إلى مدينة أبوظبي، يعتبرون من بني ياس، والحلالمة (الفرد منهم حلامي) هم من بني ياس، وكذلك الثميرات.(4)

ويلاحظ أن بني ياس في إمارة دبي ينتمون إلى فخذ آل بو فلاسة. كذلك أولئك الموجودين في البحرين وجزيرة تاروت في سنجق الاحساء، ومن منهم على جزيرة هانجام Hanjam ومن وجد منهم في قطر هم أيضاً أفراد من البطن الفرعي المتجول للقبيلة.

ومن المهم أن نلقي الضوء على الخلفية التاريخية لقبيلة بني ياس، ونحن بصدد الحَديث عن هذا التحالف القبلي المهم، لفهم دور شيوخ آل بو فلاح التاريخي بدقة وكيف نجحوا في فرض سيطرتهم على اتحاد بني ياس القبلي الذي انحدروا منه، وترسيخها بحراً لأكثر من قرنين من الزمن. فقبيلة بني ياس هي إحدى القبائل الرئيسية في شبة الجريرة العربية، المقيمة في صحارى الظفرة لمدة ثلاثة قرون على الأقل كما تشير الدكتورة جونيتي مايترا في كتابها قصرالحصن تاريخ حكام أبوظبي ، ويتكون اتحاد قبيلة بني ياس من قبائل عدة، وهو مختلف بطبيعته عن تشكيل معظم القبائل العربية وخلفيتها حسب المؤلفة. إلا أن التاريخ المشترك لهذه المجموعات القبلية المختلفة أدى إلى استمرارية تلاحمها مع بعضها كاتحاد، أكثر مما فعلت علاقة القرابة والدم، مما جعل بعض المؤرخين يَرى أن قبيلة بني ياس "تعبير متلاحمة تماماً".(5)

وقد وَصفهم السيابي – المؤرخ العماني الشهير- بأنهم إحدى أهم القبائل المعروفة جيداً في عُمان، والذين يرجع نسبهم إلى ياس بن عامر بن صعصعة، وقد ورد وصفهم في السجلات البريطانية فيما بعد " بأنهم من أكثر القبائل تضامناً و اندماجاً ومن أشدهم قوة ونفوذاً أيضاً". ويمتازون بالعادات العسكرية والرعي وأنهم من أكثر القبائل عدداً وامتداداً للنفوذ" في شبة الجزيرة العربية. ويعود أصل بني ياس إلى نجد، ولكنهم رحلوا منها "واستقروا في البلاد التي تمتد بين البدع (الدوحة) والبريمي .

ورغم ضياع جوانب كثيرة من تاريخ القبيلة في طي الزمن – ولطالما نَبّهنا إلى ضرورة العنايَة بتاريخ وثقافات القبائل العربية وفق منظومَة عمل علمي مبرمج تتبناه كمشاريع بحث ميداني الجهات والمراكز المختصة بتراث وتاريخ المنطقة- إلا أن بني ياس يعتبرون أقدم السكان المذكورين في المنطقة التي تشكل مشيخة أبوظبي. وقد بدأت المرحلة الأولى من تكوين المشيخة كإحدى القوى القبلية المهمة في الإقليم باستيطان بني ياس في صحراء الظفرة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن تحديد أقدم تاريخ يشير إلى هذه القبيلة، إلا أن قبائل بني ياس – وفق ما جاء في سجل التاريخ العماني. "كشف الغمة" ، قد سيطرت في أوائل القرن السابع عشر على الظفرة أو على الإقليم الصحراوي بأكمله، الممتد في اتجاه سبخة مطي بين ساحل الخليج إلى الشمال والربع الخالي إلى الجنوب. 

وخلال الفترة الواقعة ما بين انتهاء القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وعندما كانت إمارة أبوظبي تزداد قوة تحت قيادة حكام آل بو فلاح، كان القواسم بمعقل حكومتهم القوة الأعلى في ساحل الخليج. وخلال القرن التاسع عشر برهن حكام أبوظبي بدأً من الشيخ شخبوط بن ذياب إلى الشيخ زايد بن خليفة، بأنهم قادة ذووا مقدرة جمعوا بين القدرات العسكرية وبُعد النظر. وتمكنوا تدريجياً من تحويل مشيختهم إلى قوة معروفة لها هويتها الخاصة. وتحت قيادة الشيخ زايد الأكبر الفعالة (1855-1909)، برزت أبوظبي كقوة عليا على ساحل الخليج.

ونحا بعض المستشرقين منحى كان على رأسه (نولدكه) الألماني، فهو أول من شك من المستشرقين بتقسيم النسابين العَرب إلى قحطان – عدنان، أو جنوب – شمال، هذا النسب العام الذي وضعه أصحاب الأنساب للعرب، وكانَ بالتالي أول مَن نَبّه على أثر اليمانيين في وَضعه وفي محاولتهم رَجعه إلى عهود قديمة قبل الإسلام. فما يذكره أهل الأنساب عن النسبين، وما يتصوره بعض الناس من صفاء الجنس العربي صفاءً تاماً ونقائه نم كل دَم غريب، دَعوى لا يمكن الاطمئنان إليها، والدليل كما قَدّمنا هو أن ذلك التقسيم بُني على فكرة " التحالفات القبلية "، وهذا القول لن يضير العَرَب، فصفاء الأجناس البشرية صفاءً تاماً، من القضايا التي عجز حتى القائلون بنظرية العنصريات مثل النازيين عن إثباتها. ورأى مستشرقون آخرون أن للنسابين يداً في ترتيب هذه الشجرة العظيمة للأنساب، أو الشجرتين بتعبير أصح" شجرة نسب أبناء قحطان، وشجرة نسب أبناء عدنان. وكان لهذا التقسيم أثره في تأجيج النزاعات العصبية القبلية التي نصح الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بتركها وقال بما معناه ( دَعوها فإنها فتنة) لما لها من أثر مدمر، يتنافى مع ما جاءَ به الإسلام من عدل ومساواة (كلكم لآدم وآدم من تراب) أو كما قال الرسول في الحديث الشريف أن الناس سواسية كأسنان المشط.

أما إن كان للعَرب طبيعة عقلية خاصة بهم كجنس بشري، فقد ناقشها الدكتور أحمد أمين في مؤلفه "فجر الإسلام"، فذكر أن العرب مثل غيرهم من الناس لهم ملامح امتازوا بها عن غيرهم، وعقلية خاصة بهم، ولهم شمائِل عُرفوا واشتهروا بها بين أمُم العالم. فكل أُمة عقلية خاصة بها، تظهر في تعامل أفرادها بعضهم مع بعض وفي تعامل تلك الأمة مع الأمم الأخرى، كما أن لكل أمة نفسية تميزها عن نفسيات الأمم الأخرى، وشخصية تمثل تلك الأمة، وملامح تكون غالِبَة على أكثر أفرادها، تجعلها سِمَة لتلك الأمة تميزها عن سمات الأمم الأخرى.

وقد بحث بعض العلماء و الكتاّب المحدثين في العقلية العَربية – ونحن هنا لا نناقش الأمر من الناحية السياسية أو السايكولوجية فهذا موضوع يطول شرحه بل نحن نتحدث بما له صلة بالبداوة والحضارة – فتكلموا عليها بصورَة عامة، بدوية وحضرية، جاهلية وإسلامية، فجاء تعميمهم هذا مغلوطاً وجاءت أحكامهم في الغالب خاطئة. وقد كانَ عليهم التمييز بين العرب الجاهليين والعرب الإسلاميين، وبين الأعراب والعرب، والتفريق بين سكان البواطن أي بواطن البوادي وسكان الأرياف وسكان أسياف بلاد الحضارة. ثم كان عليهم البحث عن العوامل والأسباب التي جبلت العُرب من النوعين: أهل الوبر وأهل الحضر (المدر)، تلك الجبلة، من عوامل إقليمية وعوامل طبيعية أثرت فيهم، فطبعتهم بطابع خاص، ميزهم عن غيرهم من الناس.

إن الحديث عن العقلية العَربية، حديث قديم، ففي التوراة شيء عن صفاتهم و أوصافهم، كُوّن من علاقات الإسرائيليين بهم، ومن تعاملهم واختلاطهم بالعَرب، ومن أوصافهم فيها: أنهم متذبذبون يغزون بعضهم بعضاً، مقاتلون يقاتلون غيرهم كما يقاتلون بعضهم بعضاً، ويغيرون على القوافل فيسلبونها ويأخذون أصحابها أسرى، يبيعونهم في أسواق النخاسة، أو يسترقونهم فيتخذونهم رَقيقاً وخَدَماً يقومون بما يؤمرون به من أعمال، إلى غير ذلك من صفات ونعوت، وليسَ من المستغرب أن تتبنى هوليود هذه الصورة المشوهة للعَرَب والتي كتبت منذ آلاف السنين لتركز عليها السينما الأمريكية والغربية عموماً، تجسدها في أفلامها – حتى الحَديثة جداً و أقربها فيلم "المصارع" وتكررها، لترسخها أكثر صورة بملامح مشوهة مستمدة من التوراة !!

و رَسَم ابن خلدون في مقدمته صورَة متناقضة للعَربي، خلاصتها "أن العربي متوحش، نهّاب، سلاّب إذا أخضع مملكة أسرع إليها الخراب، يصعب انقياده لرئيس، لا يجيد صناعَة، ولا يُحسن علماً ولا عنده استعداد للإجادة فيها، سليم الطباع، مستعد للخير شجاع".

وقدرَ من بعض المستشرقين العَرب بالمادية وبصفات أخرى، فقال أوليري: " أن العربي الذي يعد الآن مثلاً أو نموذجاً، مادي، ينظر إلى الأشياء نظرة مادية وضيعة، ولا يقومها إلا بحسب ما تنتج من نفع، يتملك الطمع مشاعره، وليس لدية مجال للخيال ولا العواطف- وكأن اوليري لم تقع عينه على بيت شعر واحد من أشعار العرب – لا يميل كثيراً إلى دين، ولا يكترث بشيء إلا بقدر ما ينتجه من فائدة عملية، يملؤه الشعور بكرامته الشخصية حتى ليثور على كل شكل من أشكال السلطة". وقد أوجز أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام"، آراء المذكورين من المستشرقين كدوزي، أوليري، و لامانس، وبعد أن انتهى من عرضها وتلخيصها ناقشها بقوله:    " لسنا نعتقد تقديس العرب، ولا نعبأ بمثل هذا النوع من القول الذي يمجدهم ويصفهم بكل كمال، وينزههم عن كل نقص، لأن هذا النمط من القول ليسَ نمط البحث العلمي – وكان الأجدر بأولئك المستشرقين الأخذ به – إنما نعتقد أن العرب شعب ككل الشعوب، له ميزاته وفيه عيوبه، وهو خاضع لكل نقد علمي في عقليته ونفسيته وآدابه وتاريخه ككل أمة أخرى، فالقول الذي يمثله الرأي الخاص لا يستحق مناقشة ولا جدلاً". إلى أن قال " فلنقتصر الآن إلى وصف العربي الجاهلي، فوصفه بهذا الوصف: " العَربي عصبي المزاج، سريع الغضب، يهيج للشيء التافه، ثم لا يقف في هياجه عند حد، وهو أشد هياجاً إذا جُرحت كرامته، أو انتهكت حرمة قبيلته. وإذا اهتاج، أسرع إلى السيف، واحتكم إليه، حتى أفنتهم الحروب، وحتى صارَت الحَرب نظامهم المألوف وحياتهم اليومية المعتادة. والمزاج العصبي يستتبع عادة ذكاء، وفي الحق أن العربي ذكي، يظهر ذكاؤه في لغته، فكثيراً ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة، كما يظهر في حضور بديهته، فما هو إلا أن يُفجأ بالأمر فيفجؤك بحسن الجواب. خياله محدود وغير متنوع، فقلما يَرسم له خياله عيشة خيراً من عيشته، وحياةً خيراً من حياتِه يسعى وراءها، لذلك لم يعرف المثل الأعلى، لأنه وَليد الخيال، ولم يضع له في لغته لفظة واحدة دالة عليه، ولم يشر إليه فيما نعرف من قوله. "ونتحفظ هنا على قوله أن خيال العربي محدود وغير متنوع، فليت أحمد أمين حياً ليَرى ما سبَقَ أن كان يوماً من أحلام المغفور له بإذن الله سمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وهو يخطط بعصاه على الرمل في مدينة العين في شبابه أمام جلسائه وإخوانه من البدو مُدُناً وشوارِعَ ومدارِسَ ومستشفيات وجامعات وكلَ ما يمت للحضارة بصلةَ كما أخبرني بعض كبار السن الذَين عاصروا تلك الفترة في مدينة العين، وما نراه اليوم من أحلام متلاحِقَة تتجسد مشاريع مبهرة ولو ضربنا مثلاً لذلك فيمكن معاينة أي مشروع كان من أفكار وأحلام سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولا أدل من ذلك على هذا الخيال اللامحدود والمتنوع والمبهر وهو عكس ما ذهب إليه أمين في قوله، ناهيك عن تتويج مدينة الشارقة عاصمة للثقافة العربية بجهود سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي وأبناء الإمارات من مفكرين وفنانين ومبدعين، كل ذلك يجعلنا نشك بذلك القول الذي يصف العَربي بمحدودية الخيال وفقره.

 

    

 




   المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، ط1، منشورات الرضي، ج1، ص 466-467.(1)

  المرجع السابق، ص 468-469.(2) 

  المرجع السابق، ص 471.(3)

  (4)  السجل التاريخي للخليج وعمان وأواسط الجزيرة العربية، أنظر ج.ج.لوريمر، ج2، جغرافيا، المجلد السابع، 1995، جامعة السلطان قابوس، الناشر دار غارنت للنشر، انجلترا، ص.268.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك