Yahoo!

الشعر النبطي

أغسطس 10th, 2006 كتبها amar alsanjari نشر في , بحوث, صور نادرة

الشعر النبطي

وأهميته السياسية

في تاريخ الجزيرة العربية

 

 

 

 

 

 

عمار السنجري

 

لاشك أن الأدب الفصيح بما لَهُ من مميزات وخصائص في لغته وأسلوبه، يرتفع نسبياً عن مدارك الطبقة الشعبية العامة- وهي إلى عهد قريب كانت هي الغالبة على مجموع سكان الجزيرة العربية والخليج، بل وبقيت هي الغالبة على مجموع سكان معظم الأقطار العربية، ولكن سنقتصر في حديثنا هنا عن الشعر الشعبي في جزيرة العرب- وليس بمقدور الأدب الفصيح مهما حاول أصحابه الدنو والليونة أن يكسب الشعب طابع الفهم والإحاطة، ومن ثم التنوير، والتأثير… بخلاف الأدب الشعبي – وتحديداً الشعر الشعبي كفنٍ من أكبر فنونه انتشاراً وتأثيراً- فإن له النفوذ الطبيعي على كافة الطبقات(1) حكاماً وشعوباً، فالأغلبية إن لم تكن تقرضه فإنها بلا شك تحبه وتشجعه أو على الأقل تستمع إليه فتطرب، وتقرأه فتفهم مراميه وتتمثل صوره.

كان مجتمع الجزيرة العربية إلى عهد قريب، مجتمعاً أقرب إلى البداوة منه إلى الحضارة وكانت النسبة الأكبر من سكان المنطقة يعيشون حياة البداوة التي يقوم نظامها الإنتاجي والاقتصادي على الرعي ويعيشون حياتهم متنقلين من مَرعى إلى مرعى ومن مورد إلى مورد ومن قطين إلى قطين. حياة لا تسمح بقيام مؤسسات تعليمية لأن ذلك بتطلب حياة مدنية مستقرة. لذا نجد ثقافة هؤلاء البدو الأميين ثقافة شفهية شعرية تستغني عن الكتابة بالنظم، الذي يسهل عملية الحفظ والتداول. لكن صلتهم بالحاضرة جعلتهم على علم، وإن لم يكن معرفة تامة، بما لدى الحضر من أسباب حضارية لا تتوفر في البادية مثل الكتابة.

بل أن بعض مشائخ البادية كان لديه كاتب تشمل مهامه إمامة الشيخ وجماعته في الصلاة وقراءة بعض كتب التراث في مجلس الشيخ، إضافة إلى قراءة ما يرد إلى الشيخ من رسائل أو وثائق وتحرير الردود عليها. وربما شملت مهام الكاتب كتابة ما يقوله الشيخ من قصائد وما يقوله فيه الآخرون من مدائح. كان البدو بالطبع على وعي بشيء اسمه الكتابة (التدوين) و ربما لجأ البعض منهم إليها في بعض الحالات النادرة والضرورية. لكن البدو أنفسهم لا يقرأون ولا يستخدمون الكتابة في شؤونهم اليومية.(2)

لذلك كان للأدب الشعبي، وتحديداً الشعر الشعبي، نفوذاً طبيعياً على كافة الطبقات، وكان السمة المعروفة لدى كافة الأوساط.(3)

والشعر الشعبي في الجزيرة العربية والخليج قديماً وحديثاً نجده خصباً، عميق الجذور، ومع ما له من مغالبة ونفوذ إلا أننا نجده يكتنفه الغموض والإبهام، وقد أوضح أسباب هذا الغموض عبد الله بن محمد بن خميس في كتابه "الأدب الشعبي في جزيرة العرب"، حيث يُرجعه إلى أنه عانى الكثير من التَّرك والنسيان على كثير من آثاره، وأخباره، وظل مطموراً، فالأسباب والدواعي متوفرة لإهمال ما هو في نظر الكثير من أهم وألزم، فكيف بمن لا يعبأ به، أو يرى الاشتغال به به ضرباً من العبث، يُحسن برجُل العلم الترفع عنه. لذا كان الأدب الشعبي في جزيرة العرب نسياً منسياً، وقد كانت دواوينه صدور الرواة، ودراسته في مجالس العامة، وعلى ظهور الإبل. والآن قد انقرض الرواة أو كادوا، وانصرف العامة في مجالسهم إلى شؤون، وشجون أخرى، وأصبح ركوب الإبل- للتنقل- نادراً، وظل هذا الأثر في تقلص واضمحلال.(1)

وعُذر الأدباء القدامى الذين تجاوزوه وتجاوزوا الاهتمام به من حيث كونِه فنّاً أدبياً، أنهم كانوا حتى في نظرتهم للأدب العربي الفصيح لا يرونه ولا ينقلونه للدراسة، والتحليل، والنقد، والوقوف من خلاله على البيئات، وعادات أهلها، ووصف أحوالهم، وتصوير مشاعرهم، كما هو شأن الدراسات الأدبية الحديثة، وإنما يسردونه سرداً، ويجمعون شتاته كنص فقط، للمحافظة عليه، وصيانته. وعُذر أدباء العروبة والمعاصرين، في عدم تعرّضهم لهذه الدراسات في الجزيرة العربية، لا نراه في الحقيقة إلاّ غرابة الأدب الشعبي عليهم- للهجته وخصوصيته- وعدم فهمهم لحقائقه، ودَقائقه في بيئته، والدراسة والنقد والتحليل لا تكون إلا عن فهم، وإحاطة وتذوق، وهو شيء مفقود بالنسبة إليهم… ولا غضاضة إن جهلوه، فاللغة الشعبية / بلهجاتها/ وفهم البيئات وخصوصياتها، والتقاليد والعادات في كل شعب، بل في كل قبيلة من القبائل، وقف على أهلها، إلاّ من جَرّدَ نفسه وتخصص في ذلك، وهو أمر من الصعوبة بمكان.(2)

ويشير بن خميس إلى جهود العناية بهذا المجال ويقول بأن: كل ما قامَ به أُدباؤنا في هذا المجال، هو نَتف، وخطرات، تُنشر في الصحف، وسُرعان ما تذهب نسياً منسياً. ويؤكد على أنه لا بُد من " شعور بالمسؤولية" تجاه الأدب الشعبي. ويستشهد بقوله للدكتور طه حسين، حيث يصف هذا الأدب بأنه "مرآة صافية لحياة الأعراب، في باديتهم، وهو في موضوعاته، ومعانيه، وأساليبه، مُشبه كل الشبه للأدب العربي القديم، الذي كان ينشأ في العصر الجاهلي، وفي القرون الأولى للتاريخ الإسلامي، ذلك لأن حياة العَرب في البادية لم تتغير بحال من الأحوال، فحياة القبيلة الاجتماعية، والسياسية، والمادية الآن كما كانت منذ ثلاثة عشر قرناً، فطبيعي أن يكون الشعر المصّور لهذه الحياة، كالشعر الذي يصوّر الحياة القديمة، وإن كان موضوعه ما يقع بين القبائل من حروب، ومخاصمات تدعو إلى الفخر، والمدح، والهجاء، والرثاء، وما يثور في نفس الأفراد من أنواع الآلام، واللذات التي تدعو الى الغناء بالشكوى حيناً، والحب حيناً آخر، والعتاب مرة ثالثة. وهذا الأدب العربي الشعبي يرويه في البادية جماعة من الرواة يتوارَثونه عن آبائهم، ويورثونه لأبنائهم، ويكسبون بروايته حياتهم المادية، ومكانتهم الممتازة أحياناً.(1)

وعن الدور المهم الذي لعبه الشعر النبطي في الجزيرة العربية، وما وصل إليه من مكانة حيث يقول: فقد حفل به الملوك، والأمراء، والقادة، ويستمع إليه علِيَة القوم، وصفوة المجتمع، وإما أن يلهب إحساس الأمة، ويُذكي فيها نار الانفعال، والتذمر، وأما أن يتخذه العاشق الولهان أداة للتعبير عن شجونه، و وسيلة لنشر مكنونه، أو على الأصح كما يَرى بن خميس له دور كما كان للشعر العربي الفصيح في استعمالاته. وفي أغراضه، و اتجاهاته، ومناحيه. فلقد أثاب الملوك عليه وأكثروا، وأمعنوا في العقاب عليه، وأهدروا، ولطالما أصاخت المحافل للشاعر – النبطي- يتربع عن يمين الملك أو الأمير، أو يحتل الصدارة في المنتدى الكبير، ويبدو في غطرسته وكبريائه كما يبدو أبو الطيب أو البحتري وكأن لسان حاله يقول:

 

أجَزِني إذا أنشدت شــعراً فإنما

بشعري أتاك المادحـــون مردداً

و دع كل شعر غير شعري فإنني

أنا الصائح المحكي والأخر الصدى

                         

ويشبّه بن خميس الشاعر النبطي الشهير محمد بن عبد الله العوني وما بلغه من مكانة من خلال شعره حتى عُدّ من أشهر شاعر شعبي في الحماسة بما كان للمتنبي من مكانة فكان كما يصفه أكبرهم شخصية لدى الملوك، والأمراء والرؤساء، والذي لعب دوراً لا يُستهان به حسب تعبيره، في الجزيرة العربية أبان اضطرابها وتأرجحها، وأهّله شعره لمكانة اجتماعية لا تُداني، رغم خمول نشأته حسب بن خميس، من إحدى قرى القصيم الصغيرة، وهي قرية (الربيعية) وقد رُزِق مع هذه الشاعرية الاستفزازية المتدفقة شخصية قوية نابهة، ورأياً صائباً حكيماً، لولا ما دخله من غرور يذكرنا بما آلت إليه حالة المتنبي، (أدركه داء أبي الطيب ومن على شاكلته) جعله يصادق هذا تارة ويتنكر له أخرى، ويمدحه تارة ويؤلب عليه أخرى… حتى ليحكى عن العوني الذي نعته بن خميس بـ (شاعر الحماسة ومُشعل الحروب) أنه كان إذا طُلب منه أن ينشد أو يقص فلا بد أن ينصت كل من في المجلس، كثروا، أو قَلّوا، وإذا ندت من أحدهم كلمة، أو همسة، ترك القص، أو الإنشاد وربما غادر المجلس. وربما قصيدة واحدة من قصائده في الحماسة جعلته إلى اليوم من أشهر من نار على علم وهي المعروفة بـ (الخلوج) التي يستهلها بذكر ناقة فقدت ولدها بين قطعان الماشية، فجعلت تُرجع الحنين، وتكسر العبرات وقصة القصيدة معروفة وسنأتي على ذكرها يقول فيها:

 

خلوج تجذ القلب بتل عوالـها

تكـسر بعبــرات تحـطم سلالها

تهيض مفجوع الضمير بحسها

لي لوحت صــوت تزايد هجالها

                  

وبلغ العوني مبلغاً من الثقة بالنفس أنه كان يقول "ليست العِبرة بالذي يدير الجيوش، ويقودها، ويحارب في الميادين، بل العِبرة بالرجل الجالس أمام موقد قهوته، ويستطيع وهو في جلسته هذه أن يشعلها حَرباً ضروساً بين من يشاء من القبائل!".

وقد انتهت حياة هذا الشاعر الفذ نهاية قريبة من نهاية أبي الطيب المتنبي فذهب ضحية موهبته الكبيرة.

وقد كانت نهاية هذا الشاعر الفحل أن يجره شعره، وما أكسبه شعره هذا من شهرة جعلته في صفوف الرجال الخطرين القمنين بأحداث الانقلابات والفتن كما يذكر بين خميس، وقد جره ذلك إلى غياهب السجون ثم شُيّعَ منها إلى مقره الأخير.(1)

وكان- برأينا لازال في نفوس محبيه – للشعر الشعبي أو النبطي مكانة منذ القدم جعلت الرحالة وليم جيفورد بالغريف William Gifford Palgrave يلاحظ هذه المكانة لهذا الشعر لدى البدو، مما جعله يتحدث عنه في يوميات رحلته (1862م) ويصف هذه المكانة التي بلغها بين سكان الأحساء، والمعروف أن منطقة الأحساء جمعت أشهر شعراء النبط، وهي منطقة تميزت بأنها بيئته المثالية فقد أنجبت باديتها شعراء الدولة الجبرية(2)، والتي وإن اكتنف الغموض تاريخها، إلا أن الشعر النبطي كان في عهدها إرثاً أدبياً مزدهراً، فقد عُثر على نماذج غزيرة من الشعر النبطي على شكل قصائد طويلة تامة النضج قوية السبك مستقيمة البناء، تامة التركيب، ومعظمها قيلت في مدح مشائخ الجبريين مثل أجود وقضيب ومقرن وغيرهم، وقد فصل أخبار شعرائها الدكتور سعد العبدالله الصويان في كتابه "الشعر النبطي ذائقة الشعب وسلطة النص"، حيث يذكر أن من أشهر شعرائها ابن زيد، والكليف صاحب قصيدة "الدافعة" المشهورة التي يمدح فيها مقرن بن قضيب الجبري:

 

زهت الديار بحسنها وجمالها

واستبشرت بالعز روس رجالها

 

وهو آخر شاعر من شعراء الدولة الجبرية يصلنا إنتاجه. شاعر تكتب بعض المخطوطات اسمه (الكليف) وبعضها تكتبه الجليف. واسمه أو لقبه (الكليف) ذكّرني في الحقيقة شاعر نبطي مشهور بين بدو منطقة العين وله قصائد مشاكاة مع سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "رحمه الله" هذا الشاعر واسمه أو لقبه بالأحرى (الكيف) وهو عامري من قبيلة العوامر في العين، وتوفي منذ زمن وهو خال الشاعر المرحوم أحمد بن دري الفلاحي الياسي وهو رحمه الله الذي حدّثني عنه وعن شاعريته، وبأن شعره لازال كافياً في صدور الرواة ولم يجمعه أحد إلى اليوم.

أما أبن زيد (1) فإن جميع قصائده كانت على البحر الهلالي مما يوحي ببداوة قائلها. وهو شاعر فحل يفد على الملوك ويجيد نعت الناقة، والوقوف على الأطلال، والبكاء على الآثار الدارسة، ويصف البرق وصفاً جميلاً وما يصحبه من سحب وأمطار. ومنها قوله:

 

يقول بان زيد قول من شدّ ضـامرٍ

جماليّةٍ من عيد هيّات نوقــها

زفوفٍ زهوفٍ عجلةٍ مســتمانةٍ

من الهجن وجنا طيبات خلوقها

على ربــع دارٍ دارسٍ غيّر البلى

وذكرى ليالٍ طيــباتٍ وقوفها

خلا الرّبع إلا من ثلاث كــوانف

لعرفانها عيـني سريعٍ وموقها

من الرخمات السمر لما ان عرفتها

وصحبي على قودٍ قليل رفوقها(2)

 

                          

ومن شعراء الدولة الجبرية أيضاً جعيثن اليزيدي، والذي يقول من قصيدة طويلة يمدح فيها مقرن بن زامل بن أجود:

رخا العيش ضمن في اقتحام الشدايد

ونيل المعالي في لقا كل كايد

 

                         

ولعل من أشهر شعراء الدولة الجبرية عامر السمين، وقد مدح السمين علي بن أجود الجبري بقصيدة جميلة فيها بعض الكلمات الفصيحة التي اندثرت اليوم في لغة العامة، وفيها يقول:

مُحال اني أصافي غير صافي

أو أسمح بالوداد لغير وافي

ولا أعطي زمام العقل عامة

ولا ألجي لجال رفاف جافي

و

المزيد


انصاف الاستشراق

أغسطس 10th, 2006 كتبها amar alsanjari نشر في , بحوث

 

 

 

 

 

انصاف الاستشراق

 

عمار السنجري

 

إذا كان للبيئة الصحراوية في الإمارات، وما يستتبع هذه البيئة من فضاءات، وأجواء وعادات وتقاليد وثقافة خاصة بالمكان، فتساعد كثيراً على البحث، واستشعار لذة هذا البحث والذهاب عميقاً، وبعيداً، في جذور وجماليات البداوَة، ورصد تلك الجماليات في تتبع آثار شاعر نبطي خلّدها بشِعره، و رَسَم صورة (ناطقة) بالكلمات، البسيطة، العفوية، زمنٍ مضى ولن يعود، صورة بالأسود والأبيض، لزمن جميل بمعانيه ومعاناته.

فإن الدخول إلى عالم البَداوَة والبدو الذي شُغف به الكثير من المستشرقين، لم يقتصر على ذلك العالم التقليدي، الكلاسيكي، النمطي، المتعارف عليه، ومن خلال مساهمات تنوعت في هذا المجال تراوحت بين التاريخ الموثق المكتوب، والتاريخ الشفوي، والاثنولوجيا والانثروبولوجيا والدراسات المعمقة في ثقافة وتاريخ وجغرافية المكان، كانت تتفتح أمام المهتم، آفاق جديدة. و تتوالد أفكار للبحوث تدور في فلك الشغف الأول. بقى الأمر على هذا القدر من الاقتراب الحذر من عالم شُغفوا به كما شغف الكثير غيرهم من قبل إلى أن وصل الولع بهم إلى أدب الرحلة، ذلك العالم الذي فتح أمامنا المجال واسعاً على استعادة ذلك الزمن بكل زخمه وعنفوانه وألقِه إلى لا يخبو، أن (وَثّقوا) كل ما يمكن أن تقع عليه العين. وإذا كانت الصحراء تبدو لأول وَهَلة وليس بها إلا الفضاء والسكون، فما ذلك إلا لأنها لا تبدي حسنها كما يقول سانت اكسوبري إلا لمن يطيلون الإقامة بها. هذه الصحراء التي قال عنها اكسوبري نفسه ذلك الطيار الأديب الرحالة، لقد هُيّئ لي ذات يوم أن أمسّها بقلبي، وذلك من فرط هيامه بكل ما تعنيه وما شكلته الصحراء في مخيلة الغرب. ولكن على الرغم من الاكتشافات العديدة التي قامَ بها الرحالون الأنثروبولوجيون والدبلوماسيون في الجزيرة العربية و أطرافها، فقد بقي الاهتمام بعادات وتقاليد القبائل وخصائصها الحضارية بعيدة عن اهتمام أغلب أولئك الرحالة، وكل جل ما يوجهون إليه اهتمامهم هو نحو الصعوبات التي يمكن أن تقابلهم خلال سعيهم للوصول إلى أهدافهم الأساسية، مدفوعين بغرور متعال وأحكام مسبقة، يبعدانهم عن الواقع في اغلب الأحيان كما يبدو من تصفح ما تركوه من آثار سواءَ كانت بحوثاً، أو دراسات أو أدب رحلة، ولكن هذا لا يعني أن كل ما وَصلنا كان ملغوماً بالتحامل أو الحكم المسبق، بل أن بعضهم كتب يمتدح العَرَب أو على الأقل وَصفهم بأوصاف يمكن أن تصنف بأنها "حيادية" بصورة أو بأخرى.

ولعل من أشهر ما وَصلنا من تلك الآثار كتاب الحب لستاندال، حيث يدون فيه خواطره وتصوراته كما هو واضح من العنوان بكل ما يتعلق بموضوع الحب والعشق ومقارنة وجهة النظر الغربية، بما ينظر إليه الشرقي إلى هذا الإحساس الإنساني المشترك، فكتب يقول…

يجب البحث عن الحب النموذجي الحقيقي و موطنه، يجب البحث عنه تحت تلك الخيمة، الشديدة السواد للبدو من العرب. هناك كما في أماكن أخرى خلقت العزلة وجمال المناخ أشرف ما يخالج قلب الإنسان من عواطف، ولكي تجد تلك العزلة السعادة هي بحاجة إلى استلهامها بالدرجة نفسها التي تشعر بها. وحتى يظهر الحب على ما ينبغي أن يكون عليه داخل قلب الإنسان، يجب إقامة مساواة قدر الإمكان بين الحبيب وحبيبته، وهذه المساواة منعدمة في غربنا الكئيب. فكل امرأة مهجورة تفقد سعادتها أو شرفها. وتحت خيمة العربي لا يسمح "بخيانة الثقة" وإلا فهي جريمة يتبعها مباشرة الاحتقار أو الموت.

إن إعجاب ستاندال هذا، قد يكون من تأثير كتابات الشعراء والرحالة الغربيين الذين زاروا الشرق وكتبوا عنه، وبأسلوب يمكن تصنيفه بالموضوعية يصف ديودور سيسيل العرب لقارئِه الغربي فيذكر أنه ..

من غير المجدي أن نحكي عن عادات هؤلاء العرب لمن يجهلهم، تلك العادات التي استطاعوا بفضلها على ما يبدو أن يحافظوا على حريتهم، فهم يعيشون في الهواء الطلق ويسمون وطناً تلك المنطقة الخالية من السكان، والتي هي بدون أنهار ولا عيون وافرة قد ترتوي منها جيوش معادِيَة. تمنعهم عاداتهم من الزراعة، وغرس أشجار الفواكه، وشرب الخمر، وبناء البيوت، ومن حَدَّثته نفسه بسلوك طريق غير هذا فمصيره الموت. وقد اعتاد الكثير منهم أن ينقل إلى حدود البحر البخور والمر المكاوي وأغلى العطور التي يدعها بين أيديهم، أولئك الذين يرسلونها انطلاقاً مما يسمى بالجزيرة العربية السعيدة. إنهم مولعون بالحرية، وعندما تهاجمهم جَماعة أقوى منهم فإنهم يتوغلون في الصحراء التي يعتبرونها قلعة لهم.

على أن كتاب الرحلات كانوا يستخدمون العَرَب بمثابة رموز أحياناً تعبّر عن ميول كل منهم، فإذا كان الكاتب يريد الصفاء العرقي فالعرب هم أصحابه، وإذا كان معجباً بالفروسية فالعرب هم أهلها، أما إذا كان لا يطيق الأديان الأخرى فالعرب مم أولوا العصبية الذين يجسدون في رأي كاتب مثل داوتي على سبيل المثال، شرور الهرطقة الدينية. ولماّ كان التقشف هو محل إعجاب الإنجليز وتقديرهم فانهم كانوا يرَون في البدو رموزاً للصفاء الخلقي والزهد ونكران الذات، وينادون بضرورة صون هذه الرموز والإبقاء عليها في ظروفها الأصلية دونما تغيير لأن المسّ بهذه الظروف معناه تعريض الرمز نفسه للخطر

المزيد


الموقع قيد الانشاء

أغسطس 9th, 2006 كتبها amar alsanjari نشر في , بحوث

السادة الزوار الكرام

هذا الموقع قيد الانشاء، وسيضم مجموعة من الأبحاث في التراث وتاريخ الجزيرة العربية والخليج ,إضافة إلى مج